وإذ كانت ممكنة كانت جائزة العدم والمعلول موجود قائم الوجود بها ، ولازمه وجود المعلول بلا علّة .
فإن قلت : المعلول محتاج إلى العلّة حدوثا ، لا بقاء ؛ فمن الجائز أن تنعدم العلّة بعد حدوث المعلول ، ويبقى المعلول على حاله .
قلت : هو مبنيّ على ما ذهب إليه قوم من أنّ حاجة المعلول إلى العلّة في الحدوث ، دون البقاء ؛ فإذا حدث المعلول بإيجاد العلّة ، انقطعت الحاجة إليها . ومثّلوا له بالبناء والبنّاء ؛ فإنّ البنّاء علّة للبناء ؛ فإذا بنى وقام البناء على ساق 54 ، ارتفعت حاجته إلى البنّاء ، ولم يضرّه عدمه .
وهو مردود 55 بأنّ الحاجة إلى العلّة خاصّة لازمة للماهيّة ، لإمكانها في تلبّسها بالوجود أو العدم ؛ والماهيّة بإمكانها محفوظة في حالة البقاء ، كما أنّها محفوظة في حالة الحدوث ؛ فيجب وجود العلّة في حالة البقاء ، كما يجب وجودها في حالة الحدوث .
على أنّه قد تقدّم 56 أنّ وجود المعلول بالنسبة إلى العلّة وجود رابط ، قائم بها ، غير
شرح
فإنّه لو كانت العلّة ممتنعة بالقياس إلى المعلول لم تجتمع علّة مع معلولها ، مع أنّا نرى اجتماع العلّة والمعلول في كثير من الموارد ، كما يعترف به الخصم أيضا . وكيف تكون العلّة ممتنعة بالقياس إلى معلولها ، والامتناع بالقياس إنّما يتحقّق لو كان المعلول بوجوده مطاردا لوجود العلّة ؟ ! وليس كذلك .
54 - قوله قدّس سرّه : « وقام البناء على ساق »
أي : اشتدّ . قال في المعجم الوسيط : قامت الحرب ونحوها على ساق : اشتدّت .
55 - قوله قدّس سرّه : « وهو مردود »
وأمّا مثال البنّاء والبناء ، ففيه : أنّ البنّاء ليس علّة حقيقيّة للبناء ، بل حركات يده علل معدّة لحدوث الاجتماع بين أجزاء البناء . والعلّة الحقيقيّة للاجتماع هي طبائع نفس الأجزاء ، وهي أيضا علّة لبقائه مدّة يعتدّ بها . وقد صرّح بذلك المصنّف قدّس سرّه في الفصل التاسع من المرحلة الرابعة من بداية الحكمة .
56 - قوله قدّس سرّه : « قد تقدّم »
في الفصل الأوّل من هذه المرحلة .