تعالى عالم بجميع المعلومات ؛ فما علم منه أنّه ممكن سيقع ، يفعله ؛ وما علم منه أنّه محال لا يقع ، لا يفعله ؛ واختار آخرون أنّ أفعاله تعالى تابعة للمصالح 24 ، وإن كنّا غير عالمين بها ؛ فما كان منها ذا مصلحة في وقت ، تفوت لو لم يفعله في ذلك الوقت ، فعله في ذلك الوقت دون غيره .
قلت : معنى كونه تعالى فاعلا مختارا أنّه ليس وراء تعالى شيء يجبره على فعل أو ترك 25 ، فيوجبه عليه ؛ فإنّ الشيء المفروض إمّا معلول له ، وإمّا غير معلول ؛ والثاني
شرح
24 - قوله قدّس سرّه : « اختار آخرون أنّ أفعاله تعالى تابعة للمصالح »
فالمصالح مرجّحة عندهم .
25 - قوله قدّس سرّه : « معنى كونه تعالى فاعلا مختارا أنّه ليس وراءه تعالى شيء يجبره على فعل أو ترك »
فيه : أنّ الاختيار الّذي أراد المتكلّم التحفّظ عليه بإنكار وجوب وجود المعلول عند وجود العلّة التامّة فيما إذا كان الفاعل مختارا هو الاختيار في مقابل الإيجاب ، وهو كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، لا الاختيار في مقابل الإجبار .
توضيح ذلك : أنّ الاختيار يطلق على معان :
الأوّل : كون الفاعل بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، وهي القدرة عندهم . ويقابله الإيجاب ، حيث يقسّمون الفاعل إلى مختار وموجب . وقد يفسّر الاختيار بهذا المعنى باستواء نسبة الفاعل إلى الفعل والترك .
قال المصنّف قدّس سرّه في تعليقته على الكفاية ص 89 : « الاختياريّ هو الفعل الّذي من شأنه أن يكون ترجيح أحد طرفي وجوده وعدمه إلى الفاعل . ولازمه كون الفعل متساوي الطرفين بالنسبة إليه » انتهى .
وهذا المعنى من الاختيار صفة ذاتيّة للفاعل ، هي عين وجود المختار ؛ كما أنّ الإيجاب في الفاعل الموجب عين ذات الفاعل .
الثاني : قصد الفاعل الفعل برضاه ، ويقابله قصده بسبب حمل الغير له عليه . وهذا المعنى من الاختيار هو الّذي عدّه الفقهاء من شرائط المتعاقدين ، ويقابله الإكراه الّذي يعبّر عنه أحيانا بالإجبار .