وبالجملة ، فعلمه تعالى في ذاته بنظام الخير غاية لفاعليّته التي هي عين الذات . بل الإمعان في البحث يعطي أنّه تعالى غاية الغايات ؛ فقد عرفت أنّ وجود كلّ معلول بما أنّه معلول ، رابط بالنسبة إلى علّته 77 لا يستقلّ دونها ؛ ومن المعلوم أنّ التوقّف لا يتمّ معناه 78 دون أن يتعلّق بمتوقّف عليه لنفسه ، وإلّا لتسلسل . وكذا الطلب والقصد والإرادة والتوجّه وأمثالها 79 لا تتحقّق بمعناها إلّا بالانتهاء إلى مطلوب لنفسه ،
و
شرح
77 - قوله قدّس سرّه : « فقد عرفت أنّ وجود كلّ معلول بما أنّه معلول ، رابط بالنسبة إلى علّته »
يعني : أنّك كما عرفت في العلل الفاعليّة أنّ المعلول ، وهو الوجود القائم بغيره ، لا يتمّ إلّا بالانتهاء إلى فاعل قائم بنفسه ، وإلّا لزم التسلسل في العلل الفاعليّة ، كذلك في العلل الغائيّة ، المعلول وهو الوجود المطلوب لغيره - لما ثبت آنفا أنّ الفعل وهو المعلول إنّما يكون مطلوبا لأجل الغاية التي هي ذات الفاعل ، وأنّ الغاية هو المطلوب بالذات - لا يتمّ إلّا بالانتهاء إلى ما يكون مطلوبا لنفسه ، وهو الّذي لا يكون فعلا لغيره ، وإلّا لزم التسلسل . وبهذا يثبت أنّه تعالى غاية الغايات ، كما أنّه علّة العلل ومبدء المبادئ .
قوله قدّس سرّه : « فقد عرفت »
الفاء للسببيّة ، أي فإنّك قد عرفت .
78 - قوله قدّس سرّه : « أنّ التوقّف لا يتمّ معناه »
أي : لا يتحقّق حقيقته ، فالمعنى بمعنى الواقع والحقيقة .
79 - قوله قدّس سرّه : « كذا الطلب والقصد والإرادة والتوجّه وأمثالها »
فإنّ المعلول مقصود بالتبع والعلّة الغائيّة ، التي هي ذات الفاعل بما هي فاعلة ، مقصودة بالذات ، فإذا كانت ذات الفاعل في نفسها معلولة فهي أيضا مقصودة بالتبع - وإن كانت بالنسبة إلى معلولها مقصودة بالذات - وفاعلها مقصودة بالذات ، وهكذا ، حتّى ينتهى إلى فاعل ليس في ذاته معلولا لشيء ويكون مقصودا بالذات على الإطلاق ، وهو الواجب تعالى ؛ ولولاه لزم التسلسل ، أو لم يتحقّق قصد وإرادة أصلا . فلفعلنا مثلا غاية هي ذاتنا الفاعلة له ، ولذاتنا الفاعلة أيضا غاية هي ذات فاعلنا ، وهكذا ؛ فوجود فعلنا لأجل ذاتنا ، ووجود ذاتنا لأجل