وقد اختلفوا في حقيقته على أقوال خمسة :
أحدها : أنّه هيولى الجسم . 3
والثاني : أنّه الصورة 4
والثالث : أنّه سطح من جسم يلاقي المتمكّن 5 ، سواء كان حاويا أو محويّا له .
شرح
3 - قوله قدّس سرّه : « أنّه هيولى الجسم »
فهم لمّا رأوا أنّهم يستدلّون على وجود المكان بوجود التعاقب - حيث يقولون : إنّا نشاهد هذا الجسم يكون حاضرا ، ثمّ نراه غائبا ، ونرى جسما آخر حضر حيث هو . مثلا قد كانت جرّة فيها ماء ثمّ يحصل بعد ذلك فيها هواء أو دهن ، والبديهة تشهد أنّ هذا المعاقب عاقب ذلك وخلفه في أمر كان لذلك الشيء أوّلا ، وكان الأوّل مختصّا به ، والآن قد فاته ، وذلك الأمر لم يكن كيفا ولا كمّا في ذات أحدهما ولا جوهرا - دعاهم ذلك إلى أن يعتقدوا بأنّ المكان هو الهيولى ، لما أنّ الهيولى أمر يتعاقب عليه الصور . قال الشيخ في الفصل السادس من المقالة الثانية من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء ج 1 ، ص 15 ، ط . مصر : « فمنهم من زعم أنّ المكان هو الهيولى . وكيف لا والهيولى قابل للتعاقب ؟ ! » انتهى .
لكن لا يخفى ما فيه : فإنّه استنتاج من الشكل الثاني مع عدم اختلاف المقدّمتين في الكيف . هذا مضافا إلى أنّ تعاقب الصور على الهيولى مغاير لتعاقب الأجسام على المكان ؛ حيث إنّ الثاني بالانتقال والأوّل بالزوال ، فلم يتكرّر الأوسط . وبعبارة أخرى : المكان يتعاقب عليه الأجسام ، والهيولى تتعاقب عليها الصور ، فلم يتكرّر الأوسط .
4 - قوله قدّس سرّه : « أنّه الصورة »
واستدلّوا لذلك بأنّ الصورة حاوية للهيولي ، والمكان حاو محدّد للمتمكّن ، فالصورة هي المكان .
قال الشيخ في الفصل السادس من المقالة الثانية من الفنّ الأوّل من طبيعيّات الشفاء ج 1 ، ص 115 ، ط .
مصر : « ومنهم من زعم أنّ المكان هو الصورة . وكيف لا وهو أوّل حاو محدّد . » انتهى .
ويردّه : أنّ الاستدلال من الشكل الثاني المؤلّف من موجبتين ، وهو عقيم . هذا مضافا إلى عدم تكرّر الأوسط ؛ لأنّ الصورة حاوية محدّدة للهيولي ، والمكان حاو محدّد للأجسام .
5 - قوله قدّس سرّه : « أنّه سطح من جسم يلاقي المتمكّن »