الضرورتين على الأخرى ، والضرورة كما عرفت مناط الغنا عن السبب . فما لم تعتبر الماهيّة بإمكانها 10 ، لم يرتفع الغنا ، ولم تتحقّق الحاجة ، ولا تتحقّق الحاجة إلّا بعلّتها ، وليس لها إلّا الإمكان . 11
حجّة أخرى : الحدوث - وهو كون الوجود مسبوقا بالعدم - صفة الوجود الخاصّ 12 ، فهو مسبوق بوجود المعلول ، لتقدّم الموصوف على الصّفة ؛ والوجود مسبوق بإيجاد العلّة 13 ؛ والإيجاد مسبوق بوجوب المعلول ؛ ووجوبه مسبوق بإيجاب العلّة ، على ما تقدّم 14 ؛ وإيجاب
شرح
10 - قوله قدّس سرّه : « فما لم تعتبر الماهيّة بإمكانها »
أي : ما لم تعتبر الماهيّة من حيث هي - مع قطع النظر عن الوجود والعدم - وهي الماهيّة في حال لا ضرورة لوجودها ولا لعدمها ، وهو الإمكان .
11 - قوله قدّس سرّه : « وليس لها إلّا الإمكان »
أي : لا يصلح للعلّة إلّا الإمكان . ويحتمل رجوع الضمير إلى الحاجة ، أي وليس سبب الحاجة إلّا الإمكان .
والدليل على أن ليس لها إلّا الإمكان . هو أنّ الضرورة - سواء كانت ضرورة الوجود ، أم ضرورة العدم - مناط الغنا ، فالحاجة لا تتحقّق إلّا مع سلب الضرورتين ، وهو الإمكان .
12 - قوله قدّس سرّه : « حجّة أخرى : الحدوث - وهو كون الوجود مسبوقا بالعدم - صفة الوجود الخاصّ »
ردّها صدر المتألّهين قدّس سرّه بالمعارضة بأنّ الإمكان أيضا لازم الماهيّة فهو مسبوق بالماهيّة ، والماهيّة مسبوقة بالوجود ، فإنّها حدّ الوجود ، والوجود مسبوق بالإيجاد إلى آخر ما ذكر . فلو كان الإمكان علّة للحاجة ، لزم تقدّم الشيء على نفسه بمراتب أكثر .
ثمّ ذهب هو قدّس سرّه إلى القول بأنّ علّة الحاجة إلى العلّة هو الإمكان الوجوديّ ، بمعنى الفقر .
ولكن لو صحّت الحجّة لجرت في الإمكان الفقريّ أيضا ، لأنّ الإمكان الفقريّ - وهو الفقر - من صفات الوجود ، فهو مسبوق بالوجود ، والوجود مسبوق بالإيجاد ، إلى آخر ما ذكر . فلو كان الإمكان الفقريّ علّة للحاجة لزم تقدّم الشيء على نفسه بمراتب ، مثل ما لو كان الحدوث علّة .
13 - قوله قدّس سرّه : « والوجود مسبوق بإيجاد العلّة »
اللام للعهد ، أي وجود المعلول .
14 - قوله قدّس سرّه : « على ما تقدّم »
فكون الوجود مسبوقا بالإيجاد قد مرّ في صدر هذا الفصل وكذا الفصل السابق . والآخران قد