وهناك وجوب آخر لا حق ، يلحق الماهيّة الموجودة ، ويسمّى الضرورة بشرط المحمول ؛ وذلك أنّه لو أمكن للماهيّة المتلبّسة بالوجود ، ما دامت متلبّسة ، أن يطرءها العدم الذي يقابله ويطرده ، لكان في ذلك إمكان اقتران النقيضين ، وهو محال ؛ ولازمه استحالة انفكاك الوجود عنها ما دام التلبّس ومن حيثه ؛ وذلك وجوب الوجود من هذه الحيثيّة . ونظير البيان يجري في الامتناع اللاحق للماهيّة المعدومة . فالماهيّة الموجودة محفوفة بوجوبين ، والماهيّة المعدومة محفوفة بامتناعين .
وليعلم أنّ هذا الوجوب اللّاحق وجوب بالغير ، كما أنّ الوجوب السابق كان بالغير ؛ وذلك لمكان انتزاعه من وجود الماهيّة من حيث اتّصاف الماهيّة به 24 ، كما أنّ الوجوب السابق منتزع منه من حيث انتسابه إلى العلّة الفيّاضة له .
شرح
أي : منتزع عن وجودها ، كما يصرّح قدّس سرّه به بعد أسطر بقوله : « كما أنّ الوجوب السابق منتزع منه » انتهى . وذلك لأنّ العقل إذا نسب وجود الماهيّة إلى العلّة الفيّاضة يرى أنّه واجب في مقابل من يقول إنّه أولى .
ولكن الحقّ أنّ الوجوب المنتزع عن وجود الماهيّة ليس إلّا الوجوب اللّاحق . وأمّا الوجوب السابق ، فهو منتزع عن الماهيّة الملحوظة منسوبة إلى وجود العلّة الفيّاضة لها ؛ فإنّها تجب ، أي تكون ضروريّ الوجود عند ذلك . كما أنّها تنتزع عنها الإمكان حين تلاحظ ذاتها مع قطع النظر عن وجودها وعدمها ؛ وذلك لأنّ الوجوب السابق على الوجود لا يمكن انتزاعه عن الوجود المتأخّر عنه . فالحقّ أنّ الوجوب السابق منتزع عن الماهيّة بحيثيّة تعليليّة ، كما أنّ الوجوب اللاحق منتزع عنها بحيثيّة تقييديّة . كما ذهب إليه شيخنا المحقّق - دام ظلّه - في التعليقة .
وشيخنا الأستاذ - دام ظلّه - أيضا مخالف لما ذكره المصنّف قدّس سرّه ولكنّه - دام ظلّه - يقول : إنّ هذا الوجوب منتزع من وجود العلّة ، وهو وصف لها بالذات ، ويتّصف به المعلول من باب الوصف بحال المتعلّق . وهو مختار الرازي في المباحث المشرقيّة أيضا .
24 - قوله قدّس سرّه : « ذلك لمكان انتزاعه من وجود الماهيّة من حيث اتّصاف الماهيّة به »
وإذا كان وجود الماهيّة غيريّا ، كان وجوبها المنتزع عنه أيضا غيريّا ، وهو واضح .