ترجّح أحد الجانبين لها وتلبّسها به على أمر وراء الماهيّة ، لم نلبث دون أن نصدّق به .
فاتّصاف الممكن بأحد الوصفين - أعني الوجود والعدم - متوقّف على أمر وراء نفسه - ونسمّيه العلّة - لا يرتاب فيه عقل سليم . وأمّا تجويز اتّصافه 6 - وهو ممكن مستوي النسبة إلى الطرفين - بأحدهما لا لنفسه ولا لأمر وراء نفسه ، فخروج عن الفطرة الإنسانيّة .
وهل علّة حاجته إلى العلّة هو الإمكان ، أو الحدوث ؟ 7 قال جمع من المتكلّمين بالثّاني .
والحقّ هو الأوّل ، وبه قالت الحكماء .
واستدلّوا عليه بأنّ الماهيّة باعتبار وجودها ضروريّة الوجود ، وباعتبار عدمها ضروريّة العدم 8 ، وهاتان ضرورتان بشرط المحمول ، والضرورة مناط الغنا عن العلّة والسبب 9 ؛ والحدوث هو كون وجود الشيء بعد عدمه ، وإن شئت فقل : هو ترتّب إحدى
شرح
القضيّة ، من الموضوع والمحمول والنسبة ، وأمّا مجرّد تصوّر ذات الموضوع وذات المحمول ، فلا يكفي في حصول التصديق .
6 - قوله قدّس سرّه : « وأمّا تجويز اتّصافه »
قد مرّ في بعض تعاليقنا على صدر الفصل السابق أنّ الأولى تثنية الشقوق ، لا تثليثها كما ارتكبه المصنّف قدّس سرّه .
7 - قوله قدّس سرّه : « هل علّة حاجته إلى العلّة هو الإمكان ، أو الحدوث ؟ »
أي : هو الإمكان وحده أو الحدوث مع الإمكان ، كما سيتبيّن .
8 - قوله قدّس سرّه : « الماهيّة باعتبار وجودها ضروريّة الوجود ، وباعتبار عدمها ضروريّة العدم »
وقد مرّ بيان ذلك في تنبيه الفصل السابق .
9 - قوله قدّس سرّه : « والضرورة مناط الغنا عن العلّة والسبب »
فإن كانت ضرورة ذاتيّة ، كانت مناط الغنى الذاتيّ . وإن كانت ضرورة غيريّة ، فهي مناط الغنى الغيريّ ، بمعنى ارتفاع الحاجة بسبب الغير ، أي إنّ الموجود بما هو موجود لا يحتاج إلى موجوديّة أخرى تطرأ عليه ، كما سيصرّح قدّس سرّه به عن قريب .
قوله قدّس سرّه : « والضرورة مناط الغنا عن العلّة والسبب »
فإنّه إذا كان شيء ضروريّ الوجود ، لم يحتج إلى علّة ، لا لوجوده - لأنّه حاصل ، وتحصيل الحاصل محال - ولا لعدمه ، لأنّه ممتنع ولا يقبل أن يكون أثرا للعلّة ؛ وإذا كان ضروريّ العدم فكذلك بالنسبة إلى عدمه ووجوده .