تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
ولا يخفى أن القول بأن الله لا يقدر على أن يوجد الصادر الثاني في رتبة الأول ، فإن ذلك ليس لقصور في قدرته تعالى بل لقصور في قابلية القابل في أن يكون في الرتبة الأولى من الصدور ، فالمحالات الذاتية لا تتعلق بها القدرة ولكن ليس بمعنى التخصيص في القدرة ، بل لأنها معدومة ذاتاً . وعليه فالصادر الثاني لا يكون له قدرة على أن يوجد في رتبة الصادر الأول ، فإذا صار محالًا بالذات فلا معنى لتعلّق القدرة الواجبية به . وحيث إنّ العقل الأول يحاكي بوحدته وحدة الواجب ، فيكون أيضاً واحداً ، وبالتالي لا يصدر عنه إلا واحد ، وهكذا الأمر في سائر مراتب السلسلة الطولية ، فالواحد دائماً لا يصدر عنه إلا واحد مهما امتدت السلسلة . فيعود السؤال عن كيفية تحقق الكثرة من العقول والمثال والمادة من الوحدة ؟ ومن هنا ذكر المشاءون في توجيه كيفية ارتباط الكثرة بالوحدة أن العقل الأول وإن كان يحاكي بوحدته وحدة الواجب ، ولكن فيه جهات تكون منشأ لوجودات كثيرة ؛ ففي العقل الأول جهات متعدّدة . فهو ممكن بالذات ، وواجب بالغير ، ويعقل ذاته ، ويعقل الواجب ويعقل غيره المعلول ، وهذه خمس جهات . وعليه فإن العقل الأول لتعدد الجهات فيه يكون منشأ لأكثر من موجود كالعقل الثاني ، أو الفلك الأطلس وهو الفلك الأول ، وكذلك العقل الثالث والفلك الثاني ، وهكذا إلى العقل العاشر والفلك التاسع . والجواب على هذا التصوير هو أن هذه الجهات جهات اعتبارية ؛ لأن الإمكان بالذات بناء على أصالة الوجود أمر اعتباري ، فلا يكون الأمر الاعتباري منشأ لأمر حقيقي . ثم إن بعض هذه الجهات التي صوّروها في العقل موجودة في الواجب ، فالله تعالى يعقل ذاته ويعقل غيره ، ولكن المصنف يكتفي بتصوير المسألة على مبنى المدرسة المشائية .
شرح بداية الحكمة — صفحة 425 | السيد كمال الحيدري