شرح المطالب
يقع البحث في هذا الفصل في وجود الكثرة الطولية في العقول ، وأن العقل هل له مصداق واحد أم أكثر من مصداق واحد ؟ وإذا ثبت التعدّد في مصاديق العقل فتكون كثرته النوعية على نحو العلية والمعلولية ؛ إذ البحث في العقول الطولية لا العرضية .
وهذه المسألة هي المسألة المعروفة في كلمات الفلاسفة بكيفية صدور الكثرة عن الوحدة . وقد ثبت في الأبحاث السابقة أن الواجب تعالى واحد لا ثاني له ، كما ثبت أيضاً أن الله تعالى بسيط من كل جهة . وتقدّم في مبحث العلة والمعلول أن الواحد البسيط من كل جهة لا يصدر منه إلا واحد ، ومن هنا صحّ التساؤل : كيف وجدت الكثرة في عالم الإمكان ؟
[ كيف وجدت الكثرة في عالم الإمكان ؟ ]
هذه المسألة شغلت أذهان الفلاسفة والعرفاء والمتكلمين طويلًا ، باعتبار أن المقدمات التي ذكروها لا تنهض لتبرير وجود الكثرة ، بل الذي يمكن استخراجه من هذه المقدمات هو أن الواحد البسيط من كل جهةٍ لا يصدر عنه إلا واحد . ومن هنا طرح السؤال عن كيفية وجود الكثرة في عالم الإمكان ؟
ذكر المصنف أنه لا يعقل أن يصدر من الواجب تعالى في أول ما صدر منه أكثر من عقل واحد . وهذا على مبنى من يرى أن عالم الإمكان ليس مساوياً للمادة ، بل هو يشمل المادّي والمجرّد . وكذلك على مبنى من يرى أن عالم الإمكان يساوي المادة ، وهو مبنى جملة من المتكلمين الذين يعتقدون أن المجرّد يختصّ بالله تعالى ، وأن ما عداه هو مادي ، غاية الأمر أن المادّي قد يكون كثيفاً وقد يكون لطيفاً بحيث لا يمكن رؤيته بالعين المجرّدة . فحتى على مبنى هؤلاء لا يمكن القول بأن أول ما صدر من الواجب سبحانه وتعالى في عرض واحد هو أكثر من نوع واحد ؛ إذ لا يمكن أن يصدر من الحق تعالى أنواع مادّية متعددة في مرتبة واحدة .