وبعد أن ذكر المصنف برهان إثبات الكثرة النوعية في العقول ، أشار إلى مطلب كأنه جواب عن سؤال مقدّر ، وهو أنه تقدّم في الأبحاث السابقة أن الموجودات المادية الممكنة يمكن لها أن تتجاوز عالم المادّة بالحركة الجوهرية إلى عالم المثال ، ثم تتجاوز عالم المثال إلى عالم العقل فتكون عقلًا مستفاداً ، لهذا ذكروا أن الغرض من الفلسفة هو أن يكون الإنسان عالَماً علمياً مضاهياً للعالَم العيني . وعليه ، فإذا صار الإنسان أمراً مجرّداً لاتحاده مع العقل المستفاد بالحركة الجوهرية والعمل ، بأن تجاوز عالم المادّة وعالم المثال وعالم العقل ، فلا يعود هذا الإنسان فرداً من نوع ؛ إذ عندما يصبح عقلًا يلزم أن يكون نوعاً بحسب البرهان المذكور .
ولكن المصنف يرى أن ذلك إنما يصدق في الموجودات التي توجد من أول الأمر مجرّدة ذاتاً وفعلًا ، دون الموجودات المادية التي تصير مجرّدة بالحركة الجوهرية .
فما ذكره المصنف إنما هو في قوس النزول ، وهو غير قوس الصعود ، ففي قوس النزول يكون للإنسان وجود عقلي ثم وجود مثالي ثم وجود مادي ، ولكن في قوس النزول لا يوجد إنسان عاص وإنسان غير عاص ، لعدم تحقق التكليف عندئذ . أما عندما يبدأ الإنسان مسيرته من المادة الأولى فيمكن أن يكون أحد أفراده عاصياً والآخر مطيعاً . والبرهان على أن الكثرة في العقول كثرة نوعية لا فردية إنما هو في قوس النزول . أما إذا كان الموجود في قوس الصعود فإذا صار عقلًا مستفاداً ، لا يجري فيه البرهان ، فلا يكون الفرد نوعاً ، بل يبقى تميّزه الفردي على حاله . وعليه فيستحيل الكثرة الفردية في العقول المجرّدة ، وإذا كان ثمة كثرة فهي كثرة نوعية ، وهذه الكثرة المتصوّرة في العقول قد تكون كثرة طولية بحيث يكون بعضها علّة وبعضها معلول ، وقد تكون كثرة عرضية بحيث يكون بعضها في عرض بعضها الآخر . وأما أنه هل توجد كثرة طولية أو عرضية ؟ فيأتي البحث عنه في الفصول اللاحقة .
شرح بداية الحكمة — صفحة 420
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤٢٠