ويمكن أن لا تعرض عليها . والعروض يستدعي وجود قابلية في المعروض ، والقابلية هي الإمكان والاستعداد . وعليه ، فلابد أن توجد المادّة حتى تتحقق الكثرة ، وما لم تتحقق المادّة لا معنى لعروض الكثرة . وحيث إنّه لا مادّة في الموجودات المجرّدة ، فلا يعقل أن تعرض عليها كثرة فردية لنوع واحد ، وإنما إذا وجدت كثرة فهي كثرة نوعية لا فردية . وكل نوع لا يوجد له إلا فرد واحد .
[ وجه بطلان الاحتمالات الثلاثة الأولى : ]
ووجه بطلان الاحتمالات الثلاثة الأولى هو أنه لو كانت الكثرة تمام ذات الماهية ، أو جزء ذات الماهية ، أو لازماً غير مفارق للماهية ، فيلزم أن لا توجد الماهية إلا كثيرة ؛ إذ المفروض بحسب هذه الاحتمالات أن الإنسان مثلًا لا يوجد إلا وهو ) حيوان ناطق كثير ( ، بأن لا يوجد الإنسان إلا وهو كثير . والكثرة عبارة عن تركّب مجموعة من الوحدات ، وكل وحدة من هذه الوحدات لابد أن يكون كثيراً ، فيتسلسل لا إلى نهاية . وحيث إنّ لازم ذلك عدم وجود أيّ فرد من أفراد الماهية ، فتكون هذه الاحتمالات الثلاثة باطلة .
وهذا البرهان هو نفس البرهان المذكور في آخر الفصل السادس ، ولكن مع وجود فرقين :
الفرق الأول : هو أنه استدلّ هنا بالتسلسل بينما استدلّ هناك بالخلف . والخلف كما بُيّن هناك هو أن المفروض أن الماهية النوعية لها أفراد ، وبناء على الاحتمالات الثلاثة الأولى لن يوجد لها أي فرد ، فيلزم الخلف . ولكن المصنف بيّن المحذور هنا بنحو لزوم التسلسل .
الفرق الثاني : هو اختلاف تعبير المصنف في الدليلين ، حيث قال هنا بأن الكثرة إما عين الذات وإما جزء الذات وإما لازم غير مفارق للذات ، أو لازم مفارق للذات ، بينما قال هناك إن منشأ الكثرة هو عروض أمر مفارق للذات ، لا ن الكثرة هي الأمر المفارق للذات . وهذا هو الصحيح . ومن هنا لابد من القول إن منشأ الكثرة إما هو ذات الشيء ، وإما جزء الشيء ، وإما لازم غير مفارق للشيء ، وإما لازم مفارق للشيء لتكون الشقوق الأربعة على حد واحد .