قد يقال : إنه كيف يمكن أن يكون الحق تعالى مبدأ لكل شيء وقادراً على كل شيء ، والحال أن الإنسان مختار في فعله بحيث إن شاء فعل وإن شاء ترك ؟
فمع إطلاق القدرة الإلهية يلزم أن يسلب الاختيار عن الإنسان ، وحيث إنّ الإنسان مختار في فعله ، فيلزم نفي عموم القدرة ، وعليه فهذا الإشكال ينفي إطلاق القدرة وليس أصل القدرة .
ويوجد على هذا الإشكال أكثر من جواب :
الجواب الأول : إنّ دفع إشكال عموم القدرة - بنحو لا يتنافى مع اختيارية الإنسان - يستدعي أن يفهم أولًا ما معنى كون الإنسان مختاراً في فعله ، وأنه إن شاء فعل وإن شاء ترك . فإذا كان اختيار الإنسان بمعنى تساوي الطرفين ، فيكون الفعل ممكناً ، ويكون معنى الاختيار هو إمكان الفعل حتى حين صدور الفعل .
فهل اختيارية الإنسان تكون بمعنى أن الفعل يبقى على إمكان الصدور حتى حين صدور الفعل ، ولا ينقلب من الإمكان إلى الوجوب - كما قد يتبادر إلى الذهن - أم أن معناه هو أن الفعل لكي يصدر من الفاعل لابد أن يصل إلى حدّ الوجوب ؟
وبعبارة أخرى : فإن القاعدة الفلسفية القائلة بأن الشيء ما لم يجب لم يوجد ، أتختص بالكمال الأولي أم تشمل الكمال الثانوي أيضاً ، بحيث لا ترتبط بوجود الإنسان مثلًا والذي هو بمفاد كان التامة ، وإنما تشمل فعل الإنسان الذي هو بمفاد كان الناقصة ؟
والجواب هو أن اختيار الإنسان مشمول للقاعدة الفلسفية ؛ لأن الممكن هو تساوي الطرفين ، ولا يترجّح أحد الطرفين ولا يتعيّن ، ما لم يمتنع الطرف الآخر ، وإلا لو لم يمتنع الطرف الآخر فيبقى السؤال عن سبب وجود الفعل بدون جواب .
شرح بداية الحكمة — صفحة 396
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٩٦