تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
الاختيارية أن يكون الإنسان مجبراً ، ويمكن بيان هذا الإشكال على طريقين : الطريق الأول : وهو مبنيّ على الركن الأول للقدرة ، وهو أن الحق تعالى مبدأ لكل شيء . ومعنى هذا أنه مريد لكل شيء ، فإذا كان الحق تعالى مريداً لكل شيء ، فلا يمكن أن يتخلّف المراد عن إرادته تعالى ؛ لأنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون . فإذا فُرض أنه المبدأ لكل شيء ، فهو المريد لكل شيء . وإذا كان هو المريد لكل شيء ، فمراده لا يتخلّف عن إرادته أبداً ؛ فإن الله تعالى إذا أراد الفعل يوجده ، وإن لم يرده فلا يوجده ، سواء أراد الإنسان أم لم يرد . الطريق الثاني : وهو مبني على الركن الثاني للقدرة ، وهو أن الله تعالى عالم بشكل شيء ، وعلمه عين ذاته المقدّسة ، فإذا كان الله يعلم بأن زيداً سيشرب الخمر مثلًا ، فيستحيل أن لا يتحقّق شرب الخمر في الخارج ، وإلا انقلب علمه جهلًا . وعليه ، فلابد أن يتحقّق الفعل في الخارج بموجب كونه تعالى عالماً وإلا ينقلب علمه جهلًا . ولعل إحدى الشبهات التي أدّت بالأشاعرة إلى القول بالجبر هي علم الله الأزلي ، ومن هنا حاول البعض أن ينكر علم الله الأزلي بالأشياء . ونفس هذا الدليل الدالّ على الجبر استدلّ به المصنّف على الاختيار ، بأنْ جعَلَ من تعلّق الإرادة والعلم بالفعل دليلًا على الاختيار . فالجواب عن الشبهتين واحد ، وهو أن علم الله تعالى لم يتعلّق بتحقق الفعل كيفما كان ، بل تعلّق بتحقق الفعل عن اختيار الإنسان . فإذا تعلّق علم الله بوقوع الفعل إذا اختاره الإنسان ، وبأن الإنسان سيختار هذا الفعل ، فإن تعلّق علمه تعالى بالفعل على النحو الذي يقع عليه ، يدلّ على أن الإنسان لابد أن يكون مختاراً في فعله ، لا أنه مجبر عليه . بل لو لم يقع هذا الفعل بنحو الاختيار في الخارج لانقلب علم الله جهلًا ، لا أنه إذا وقع هذا الفعل بلا