تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
فالفعل الاختياري لا يقع إلا واجباً بالغير ، كسائر المعلولات ومن المعلوم أن الوجوب بالغير لا يتحقّق إلا بالانتهاء إلى واجب بالذات ، ولا واجب بالذات إلا هو تعالى . فقدرته تعالى عامة حتى للأفعال الاختيارية . ومن طريق آخر : الأفعال ، كغيرها من الممكنات ، معلولة . وقد تقدّم [ في الفصل الثالث من المرحلة السابقة ] في مرحلة العلة والمعلول إن وجود المعلول رابط بالنسبة إلى علته ، ولا يتحقّق وجود رابط إلا بالقيام بمستقل يقوّمه ، ولا مستقلّ بالذات إلا الواجب بالذات ، فهو مبدأ أول لصدور كل معلول متعلّق الوجود بعلة ، وهو على كلّ شيء قدير . فإن قلت : الالتزام بعموم القدرة للأفعال الاختيارية التزام بكونها جبرية ، فإن لازمه القول بتعلق الإرادة الإلهية بالفعل الاختياري ، وهي لا تتخلّف عن المراد ، فيكون ضروريَّ الوقوع ، ويكون الإنسان مجبراً عليه ، لا مختاراً فيه . وبوجه آخر : ما وقع من الفعل متعلق لعلمه تعالى فوقوعه ضروريّ وإلا عاد علمه جهلًا - - تعالى عن ذلك - - فالفعل جبري لا اختياري . قلت : كلا ، فالإرادة الإلهية إنما تعلّقت بالفعل على ما هو عليه في نفسه ، والذي عليه الفعل هو أنه منسوب إلى الإنسان الذي هو جزء علته التامة بالإمكان ، ولا يتغير بتعلّق الإرادة عما هو عليه ، فقد تعلّقت الإرادة بالفعل من طريق اختيار الإنسان ومراده تعالى أن يفعل الإنسان ، الفعل الفلاني باختياره ، ومن المحال أن يتخلف مراده تعالى عن إرادته .
شرح بداية الحكمة — صفحة 393 | السيد كمال الحيدري