والجواب عن الاحتجاج بتعلق العلم الأزلي بالفعل كالجواب عن تعلّق الإرادة به ، فالعلم إنما تعلّق بالفعل على ما هو عليه ، وهو أنه فعل اختياري يتمكن الإنسان منه ومن تركه ، ولا يخرج العلم المعلوم عن حقيقته . فلو لم يقع اختيارياً ، كان علمه تعالى جهلًا .
فإن قلت : السلوك إلى بيان عموم القدرة من طريق توقّف وجود المعلول الممكن على وجوبه بالغير وانتهاء ذلك إلى الواجب بالذات ، ينتج خلاف المطلوب ، فإن كون فعله تعالى واجباً يستلزم كونه تعالى موجباً - بفتح الجيم - - أي واجباً عليه الفعل ، ممتنعاً عليه الترك ، ولا معنى لعموم القدرة حينئذ .
قلت الوجوب - - كما تعلم - - منتزع من الوجود ، فكما أن وجود المعلول من ناحية العلة كذلك وجوبه بالغير من ناحيتها ، ومن المحال أن يعود الأثر المترتّب على وجود الشيء مؤثراً في وجود مؤثّره ، فالإيجاب الجائي من ناحيته تعالى إلى فعله يستحيل أن يرجع فيوجب عليه تعالى فعله ويسلب عنه بذلك عموم القدرة ، وهي عين ذاته .
ويتبيّن بما تقدّم : أنه تعالى مختار بالذات ؛ إذ لا إجبار إلا من أمر وراء الفاعل يحمله على خلاف ما يقتضيه ، أو على ما لا يقتضيه وليس وراءه تعالى إلا فعله ، والفعل ملائم لفاعله ، فما فعله من فعل هو الذي تقتضيه ذاته ويختاره بنفسه .
شرح بداية الحكمة — صفحة 394
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٩٤