الفصل السادس : في قدرته تعالى
قد تقدّم [ في الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشرة ] أن القدرة : كون الشيء مصدراً للفعل عن علم ، ومن المعلوم أن الذي ينتهي إليه الموجودات الممكنة هو ذاته المتعالية ؛ إذ لا يبقى وراء الوجود الممكن إلا الوجود الواجبي من غير قيد وشرط ، فهو المصدر للجميع ، وعلمه عين ذاته التي هي المبدأ لصدور المعاليل الممكنة ، فله القدرة وهي عين ذاته .
فإن قلت : أفعال الإنسان الاختيارية مخلوقة لنفس الإنسان لأنها منوطة باختياره ، إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل . ولو كانت مخلوقة لله سبحانه مقدورة له ، كان الإنسان مجبراً على الفعل لا مختاراً فيه ، فأفعال الإنسان الاختيارية خارجة عن تعلّق القدرة فالقدرة لا تعمّ كل شيء .
قلت : ليس معنى كون الفعل اختيارياً تساوى نسبته إلى الوجود والعدم حتى حين الصدور ، فمن المحال صدور الممكن من غير ترجّح وتعيّن لأحد جانبي وجوده وعدمه ، بل الفعل الاختياري لكونه ممكناً في ذاته يحتاج في وجوده إلى علّة تامة لا يتخلف عنها ، نسبته إليها نسبة الوجوب ، وأما نسبته إلى الإنسان الذي هو جزء من أجزاء علته التامة فبالإمكان ، كسائر الأجزاء التي لها من المادّة القابلة وسائر الشرائط الزمانية والمكانية وغيره .