والجواب : العلم إما أن يكون انفعالياً مأخوذاً من الخارج ، وإما أن يكون فعلياً يستتبعه الخارج . وبعبارة أخرى : العلم إما تابع والمعلوم متبوع ، أو أنه متبوع والمعلوم تابع وهو ما يسمى بالعلم العنائي . وأصحاب هذا الوجه تصوّروا أن علم الحق تعالى علم انفعالي مأخوذ من المعلوم في الخارج . وحيث إنّ المعلوم في الخارج حادث ، فهذا العلم لابد أن يكون حادثاً ، فلا يكون للحق علم في الأزل بالأشياء قبل الإيجاد . ويتضح وجه الاشتباه في أن هؤلاء حصروا العلم بالانفعالي ؛ والحال أن العلم على قسمين : انفعالي وفعلي « 1 » ، وعلم الحق فعلي لا انفعالي .
- القول الثاني : [ وهو قول المعتزلة ]
وهو المنسوب إلى المعتزلة حيث قالوا بالثابت في مقابل الموجود والمعدوم ، والتزموا بالواسطة بينهما . فذهبوا إلى أن للماهيات الإمكانية قبل وجودها نحواً من الثبوت ، وذلك لتصحيح كيفية علم الله تعالى بالأشياء قبل وجودها الخاص بها . فلو كانت الأشياء قبل وجودها الخاص بها معدومة ، فيتعلق علم الله تعالى بالمعدوم ، وهو محال ؛ لأن المعدوم ليس بشيء حتى يتعلق به العلم . وحيث إنّ المفروض عدم وجودها ؛ إذ البحث قبل الإيجاد ، من هنا قالوا إنّها لا موجودة - لأن الكلام قبل الإيجاد - ولا معدومة - لأن العلم لا يتعلق بالمعدوم - فتكون ثابتة « 2 » . ولكنهم قالوا إن للماهيات الممكنة ثبوتاً عينياً في الخارج ، وليس لها ثبوت علمي في مقام الذهن ، وهذا الثبوت العيني على نحو الاستقلال ، وليس على نحو التبعية لشيء آخر . فالماهيات قبل أن توجد كان لها ثبوت عيني مستقل قبل الإيجاد ، وعلم الحق تعالى تعلّق بهذه الماهية الثابتة العينية المستقلة .
هامش
( 1 ) هذا الفعلي يكون في مقابل العلم الانفعالي ، وليس في مقابل العلم الذاتي ( العلامة الحيدري ) .
( 2 ) الثبوت أعم من الوجود مطلقاً ، والوجود أخصّ من الثبوت مطلقاً ، والعدم أعم من النفي مطلقاً ، والنفي أخص من العدم مطلقاً ، والنفي يقابل الثبوت تقابل النقيضين . وبين العدم والثبوت عموم وخصوص من وجه .