تتمة
وقع الخلاف في أن السمع والبصر هل هما من الصفات المستقلة عن العلم ، أم أنهما يرجعان إلى صفة العلم ، فذهب البعض إلى أنهما من الصفات المستقلة عن العلم بحسب المفهوم ، وأرجعهما البعض الآخر إلى صفة العلم .
ومن الواضح أن العلوم الحاصلة للإنسان عن طريق السمع تختلف عن العلوم الحاصلة له عن طريق البصر ، فلكلٍّ آلته الخاصة به . وبالنسبة للموجود الذي يسمع بدون آلة ، ويبصر بدون آلة ، فلا معنى لأن يكون علمه عن طريق السمع والبصر ، بل يكون السمع بالنسبة إليه هو علمه بالمسموع ، والبصر بالنسبة إليه علمه بالمبصر . فيرجع مفهوم السمع والبصر إلى صفة العلم ، فيكون السمع بمعنى العلم بالمسموع ، والبصر بمعنى العلم بالمبصر .
تنبيه وإشارة
بعد أن انتهى المصنف من بيان المسائل الثلاثة المتقدمة في علمه تعالى ، انتقل إلى بيان الأقوال الأخرى في علمه سبحانه وتعالى . وهذه الأقوال تتمحور حول المسألة الثانية ، وهي علم الله بالغير قبل الإيجاد في مقام ذاته .
[ أقوال حول علم الله تعالى بالغير قبل الايجاد : ]
- القول الأول : [ كل علم مأخوذ من وجود المعلوم ]
وهو أن الله تعالى عالم بذاته ( المسألة الأولى ) ، وعالم بالأشياء بعد إيجادها ( المسألة الثالثة ) ، ولكنه ليس عالماً بالأشياء قبل إيجادها ( المسألة الثانية ) ؛ وذلك باعتبار أن كل علم فهو مأخوذ من وجود المعلوم ، وما لم يتحقّق المعلوم في الخارج لا معنى لتحقق العلم به ، لأن العلم هو انفعال عن المعلوم الخارجي ، فما لم يتحقّق المعلوم في الخارج فلا معنى لتحقق العلم . وحيث إنّ ذات الحق تعالى أزلية ، والموجودات الممكنة حادثة ، فلا يكون علمه تعالى بالأشياء عين ذاته ؛ لأنه لو كان كذلك للزم أن يكون المعلوم أزلياً ، مع أنه حادث .