تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
أما القسم الأول فحيث إنّه خير محض فالفاعل تام الفاعلية ، وحيث إنّه لا يوجد نقص في القابل فالقابل أيضاً تام القابلية ، ومثاله العقول المجرّدة عن المادة ، فهذه الموجودات خيرة محضاً ، ولا يوجد فيها أيّ شرّ . والقسم الآخر الذي يكون خيره غالباً على شره ، لابد أن يوجد أيضاً بحسب مقتضى الحكمة الإلهية ؛ لأن ترك إيجاده يلزم منه الشر الكثير ، وهذا بحد ذاته شر . ولكن الأقسام الثلاثة الأخرى لا توجد بحسب مقتضى الحكمة الإلهية ، وذلك : أما القسم الخامس ( ما كان شرّه وخيره متساويان ) فلا يوجد ؛ باعتبار أنه ترجيح بلا مرجّح . وأما القسم الرابع ( ما كان شره غالباً على خيره ) فلا يوجد أيضاً ؛ لأنه يلزم ترجيح المرجوح على الراجح . وأما القسم الثاني المتمحض في الشرّية فلا يوجد أيضاً ؛ لأنه إذا كان الذي شره وخيره متساويان لا يوجد ، وكذلك الذي خيره مغلوب لشره لا يوجد ، فإذن ما هو شر محض لا يوجد بالأولوية القطعية العقلية . وهذا التقسيم الخماسي المأثور عن أرسطو يبتني على أن الشر أمر وجودي لا عدمي . ولعل القرائن في كلام أرسطو تشهد لذلك ، فإن قوله ( خيره غالب على شره ، وشره غالب على خيره ) يفهم منه أنهما أمران وجوديان يتزاحمان ، ولو كان الشر أمراً عدمياً فلا معنى للتساوي والغلبة . وإذا كان الشر أمراً وجودياً فترجع الشبهة من رأس . وحيث إنّ القسم الثاني وهو ما كان خيره غالباً على شره موجود ، عاد التساؤل عن مبدأ الشرور سواء كان الشر قليلًا أم كثيراً . ويحتمل أن أرسطو يقول بأن الشرور أمور عدمية ، فيطابق كلامه كلام أفلاطون . ولكن إذا كان الشر أمراً عدمياً فلماذا في حال تساوي الخير والشر لا يوجد ذلك الموجود ؟ فالشر ليس شيئاً حتى يزاحم الخير ويمنعه عن