تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
الآن الذي يكون الرأس فيه على البدن تفاض الروح ؛ وفي الآن الذي لا يكون الرأس فيه على البدن لا تفاض الروح ؛ وذلك لاختلال بعض الشرائط في القابل لا الفاعل . فالشر هو عدم الإفاضة ، وعدم الإفاضة باعتبار أن فعل الإنسان ( أي قطع الرأس ) تسبّب بفقدان أحد الشرائط . فمرجع حقيقة الشرّ في القتل - بحسب التحليل - هي عدم الإفاضة والإعطاء ، لا إعطاء شيء . ولكن العرف يتسامح فينسب الشر إلى القاتل ويعتبر أن فعل القتل شرّ ، مع أن القاتل سلب قابلية إفاضة الروح من المحلّ . فإعطاء القدرة للقاتل خير ، ولكن استعمال القدرة في مجال القتل تكون سبباً لحصول الشرّ ، لا أنها هي الشر . إذن ، فهناك وجود هو خير بالذات ، وهناك عدم هو شرّ بالذات . وهذا الوجود الذي هو خير بالذات قد يكون في بعض الأحيان سبباً في تحقق العدم الذي هو شر بالذات . وبحسب التحليل المتقدم اتضح أن القتل هو عدم الإفاضة ، وعدم الإفاضة لها سبب هو خير بالذات . ولكن حيث إنّ عدم الإفاضة أدّت إلى عدم فينسب إلى الفعل أنه شر من باب نسبة المسبّب إلى سببه . وإلا فإن هذا الفعل في واقع الأمر ليس شراً بالذات . والنتيجة أن الشرور ليست وجودات حتى يبحث عن مبدئها ، وأنه هو مبدأ الخيرات أم مبدأ آخر ؟ فهي سالبة بانتفاء الموضوع ؛ لأن العدم ليس بشيء لكي يحتاج إلى علة ، وأن ما يحتاج إلى علّة ومبدأ هو الأمر الوجودي . ومن أبرز مصاديق الشر المعصية ؛ لأنها تُدخل النار . فإن قدرة الفاعل على شرب الخمر والزنا ليست شراً ، والفعل بما هو فعل ليس بشر . وإنما كان الزنا شراً ومعصية باعتبار أنه يحول دون تكامل القدرة العاقلة في الإنسان ، فهو شر لكونه مانعاً عن التكامل . وفي النتيجة العدم شر بالذات ، والوجود خير بالذات . نعم ، بعض الموجودات قد تكون شرّاً بالعرض ، وبعض الأعدام قد تكون خيراً بالعرض .