شرح المطالب
إذا كان الواجب الوجود واحداً ، فهل يلزم من ذلك أن يكون الخالق واحداً أيضاً ، أم يمكن أن يكون الواجب سبحانه قد أوجد موجودات متعددة وفوّض إليها الخلق بحيث يكون الخالق متعدّداً والواجب واحد ؟ وحيث إنّه لا تلازم بين الأمرين - فلا يلزم من إثبات وحدانية الخالق إثبات وحدانية الواجب الوجود - تعرض المصنف في هذا الفصل لإثبات أنه كما أن الواجب واحد فكذلك الخالق يكون واحداً ، وإذا ثبت أن الخالق واحد يثبت أن المالك والمدبّر ورب هذا العالم أيضاً هو ربّ واحد .
البرهان الأول على وحدة الخالق
هو أنه قد ثبت في الفصل الثاني أن الواجب واحد ، فيثبت أن جميع ما عداه يكون ممكناً ، والإمكان هو تساوي نسبة الشيء إلى الوجود والعدم ، فلا توجد فيه ضرورة الوجود ولا ضرورة العدم . ولكي يخرج الممكن عن حدّ الاستواء يحتاج إلى علّة مخرجة ، وهذه العلة إما هي الواجب وإما مستندة إلى الواجب ، فكل ما سواه معلول له سبحانه وتعالى ، فيكون مخلوقاً له ، وعليه فالخالق واحد .
وهذا البرهان ينسجم مع مبنى أصالة الماهية . فإذا كانت الماهية هي المتحققة في الخارج فتكون الماهية متساوية النسبة إلى الوجود والعدم ، ولهذا تحتاج إلى علّة مخرجة . وتساوي النسبة يبتني على الإمكان الماهوي ، وذلك في مقابل الإمكان الفقري الذي لا يبتني على تساوي النسبة ، بل هو صفة للوجود .