توضيح المطلب : إنّ المفاهيم المعلومة التي يدركها الذهن تكون مجرّدة عن المادة ، فلو كتبت هذه المفاهيم على الورق فالمفاهيم المكتوبة هي عين المفاهيم المعلومة في الذهن ، وهي أيضاً غيرها ، ( فهو هو ، وليس هو هو ) . وليس هذا جمعاً بين النقيضين .
فهو هو ؛ باعتبار أن ما هو معلوم في الذهن هو عين ما هو مكتوب على الورقة .
وليس هو هو ؛ باعتبار أن أحدهما وجود مجرّد والآخر وجود مادي .
وعليه ، فالوجود العقلي هو الوجود المثالي ، والوجود المثالي هو الوجود المادي ، ولكن مع اختلاف المرتبة والأحكام ، ولهذا من علم بالوجود المثالي أو العقلي فقد علم بالوجود المادّي أيضاً ، ولكن مع اختلاف الأحكام .
ومن أحكام الوجود المادّي أنه متغيّر غير ثابت ، وما علم من الوجود المادّي ثابت غير متغيّر ، ومع ذلك فهو هو ، لا أنه شيء آخر . وصحيح أن المعلوم بالذات هو الوجود العقلي والمثالي ، إلا أن الوجود العقلي والمثالي هو عين الوجود المادّي ولكن في مرتبة متأخرة .
والوجود المادّي بما هو مادّي لا يكون معلوماً ، باعتبار أن العلم هو حضور شيء لشيء ، والذي هو متغيّر غير ثابت ولا تجتمع أجزاؤه في الوجود ، فلا يمكن أن يحضر بنفسه فضلًا عن أن يكون حاضراً لغيره . والعقل لارتباطه بالمادة يتصوّر أن المعلوم بالذات منتزع من المعلوم بالعرض ، ومن هذه المقايسة بين المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض ينشأ العلم الحصولي . ومع ذلك لا يلزم مما تقدّم السفسطة .
فالعلوم الحصولية تنشأ حقيقة من العلوم الحضورية ؛ فإن المعلوم بالذات مأخوذ من الارتباط ، وذلك بالعلم الحضوري . أي : إن الوجود الرابط للوجود العقلي ، أو الوجود الرابط للوجود المثالي يكون معلوماً للإنسان بالعلم
شرح بداية الحكمة — صفحة 328
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٢٨