الفصل الحادي عشر : كل مجرّد فهو عاقل [ وعقل ومعقول ]
لأن المجرد تامّ ذاتاً ، لا تعلّق له بالقوة ، فذاته التامة حاضرة لذاته موجودة لها ولا نعني بالعلم إلا حضور شيء لشيء بالمعنى الذي تقدّم [ في الفصل الأول ] . هذا في علمه بنفسه وأما علمه بغيره فإن له - - لتمام ذاته - - إمكان أن يعقل كل ذات تام يمكن أن يعقل ، وما للموجود المجرّد بالإمكان فهو له بالفعل ، فهو عاقل بالفعل لكل مجرّد تامّ الوجود ، كما أن كل مجرّد فهو معقول بالفعل وعقل بالفعل .
فإن قلت : مقتضى ما ذكر كون النفس الإنسانية عاقلة لكل معقول ؛ لتجردها ، وهو خلاف الضرورة .
قلت : هو كذلك ، لكن النفس مجرّدة ذاتاً لا فعلًا . فهي لتجرّدها ذاتاً تعقل ذاتها بالفعل ، لكن تعقلّها فعلًا يوجب خروجها من القوة إلى الفعل تدريجاً بحسب الاستعدادات المختلفة . فإذا تجرّدت تجرداً تاماً ولم يشغلها تدبير البدن ، حصلت لها جميع العلوم حصولًا بالعقل الإجمالي ، وتصير عقلًا مستفاداً بالفعل .
وغير خفيّ : أن هذا البرهان إنما يجري في الذوات المجرّدة الجوهرية التي وجودها لنفسه ، وأما أعراضها التي وجودها لغيرها فلا ، بل العاقل لها موضوعاتها .