شرح المطالب
يتعرض هذا الفصل لبيان أحكام العلم الحضوري . والمراد من المجرّد هو المجرّد التام من حيث الذات ومن حيث الفعل . والمراد من العاقل ليس هو الكلي - باعتبار أن المفاهيم الكلية تسمى تعقّلًا أو عقلًا في مقابل المفهوم الجزئي الخيالي أو الحسي - بل هو المدرك والعالم بالعلم الحضوري .
وهاهنا مسائل :
المسألة الأولى : من الواضح أن المجردات - كالعقل - تعلم ذاتها بالعلم الحضوري ، فهي حاضرة عند نفسها بالعلم الحضوري .
المسألة الثانية : إنّ المجرّدات تعلم أيضاً غيرها من المجرّدات بالعلم الحضوري ؛ لوجود المقتضي وفقدان المانع ، فالتجرّد يقتضي إمكان علم المجرّد بالغير بلا أي محذور . ومعنى الإمكان هنا هو أن كل ما يمكن للشيء بالإمكان العام فهو ثابت له بالفعل ؛ لعدم وجود قوة واستعداد فيه ، بخلاف الإنسان فكل ما يمكن له فليس حاصلًا له بالفعل ، بل لابد أن يحصل له بالتدريج ومن خلال الخروج من القوة إلى الفعل لأنه مرتبط بالمادة . وعليه ، فيمكن للعقل أن يعلم بغيره علماً حضورياً ، وكل ما يمكن أن يعلمه بالعلم الحضوري فهو عالم به بالفعل .
نعم ، لابد من تقييد علم الموجود المجرّد ذاتاً وفعلًا بالمجرّدات الأخرى بشرط وهو : أن تكون تلك المجرّدات من حيث المرتبة الوجودية في عرضه أو أدنى منه بحيث تكون في رتبة المعلول . فلا يمكن أن يعلم بعلته ؛ للزوم أن يكون محيطاً بعلته ، والمعلول لا يكون محيطاً بكامل علته .