تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
ناقص ؛ لأنّها متجرّدة فقط في مقام الذات ، وأما في مقام الفعل فهي مادية . ومن الواضح أن المجرّد التام أقوى وجوداً من المجرّد الناقص . البرهان الثاني : هو أن النفس تستكمل بواسطة هذه المفاهيم الظاهرة لها ، ومن الواضح أن المستكمل أضعف وجوداً من المستكمل به . ولقائل أن يقول : كيف يمكن أن تكون هذه المفاهيم أقوى وجوداً من النفس مع أنها قائمة بها ؟ ! وبحسب المدرسة المشائية فإن العلم كيفٌ نفساني ، والكيف محتاج إلى النفس ، فالعلم والإدراك كذلك ، فكيف يمكن أن تكون النفس أضعف وجوداً من هذه المفاهيم الظاهرة لها ، مع أن هذه المفاهيم قائمة بالنفس محتاجة إليها ؟ ! يشير المصنّف إلى أن هذه المفاهيم هي في الحقيقة موجودات مجرّدة عقلية أو مثالية ، والنفس حين تتحد مع هذه الموجودات المجرّدة لا تتحد مع الوجود في نفسه ، وإنما تتحد مع الوجود الرابط المفاض من الوجود العقلي أو المثالي ، أيّ الصور المفاضة القائمة بالنفس . فالنفس أضعف وجوداً من الجوهر المثالي أو العقلي ، وهذه الصورة الحاصلة في الذهن والقائمة في النفس مأخوذة من تلك الموجودات المجرّدة العقلية أو المثالية ، وهذا معنى أن المفاهيم هي في الحقيقة موجودات مجرّدة عقلية أو مثالية . فإذا كان المعلوم بالذات هو الحقيقة المجرّدة تجرداً عقلياً أو تجرداً مثالياً ، وليس هو الواقع المادي ، فكيف تصحّ دعوى العلم بالواقع المادّي الخارجي ؟ وكيف تصحّ دعوى أن ما هو معلوم بالذات هو عين ما هو معلوم بالعرض ؟ وهل تكون الصور العقلية كاشفة عن الواقع المادّي الخارجي حينئذ ؟ وكيف يمكن التوفيق بين دعوى أن المعلوم بالذات هو الوجود العقلي أو المثالي ، ودعوى أن المعلوم بالذات يكشف عن حقيقة المعلوم بالعرض مع أنه ليس معلوماً بالذات ؟