وعليه ، فإن انكشاف الواقع المادّي بالعلم يعني انكشاف ماهيته فحسب ، وإلا فإن انكشاف نفس الوجود المادّي محال .
الحكم الثاني : وهو مرتبط بنظرية المعرفة ، وكيفية حصول العلم بالأشياء الخارجية .
فمن الواضح أنه توجد واقعية مادّية خارجة عن الذات العالمة ، وهذه الواقعية المادية الخارجة عن الذات معلومة بالعرض لا بالذات ، والمعلوم بالذات هو الوجود المثالي أو العقلي لهذا الأمر المادي . وهنا يطرح سؤال : ما هو المعلوم بالذات ؟ وكيف يمكن القول باكتشاف الواقع الموضوعي ؟
فالإنسان في المرتبة الأولى يتعقّل المفاهيم - سواء كانت كلية أو جزئية - بالقوة لا بالفعل ، وبواسطة الاتحاد مع الموجودات المجرّدة يخرج من القوة إلى الفعل .
وهنا يطرح السؤال : أيهما أقوى وجوداً ، الموجودات العاقلة - كالإنسان - أم المفاهيم الظاهرة للقوة العاقلة - والتي تتّحد النفس بها فتخرج بذلك من القوة إلى الفعل - ؟
يقول المصنف : إن المفاهيم الظاهرة للقوة العاقلة هي أقوى وجوداً من النفس التي تتّحد معها ، وذلك لبرهانين :
البرهان الأول : إن المفاهيم الظاهرة للقوة العاقلة مجرّدة ذاتاً وفعلًا ، فلا تحتاج في مقام ذاتها إلى المادة ، كما لا تحتاج في مقام فعلها إلى المادة . وهذا بخلاف النفس - التي تظهر لها هذه المفاهيم - فصحيح أنها في مقام ذاتها مجرّدة عن المادة ، ولكنها في مقام فعلها محتاجة للمادة ؛ فإن تجرّد المفاهيم الظاهرة للقوة العاقلة تجرّد تام - أعمّ من أن يكون تجرّداً عقلياً أو أن يكون تجرّداً مثالياً - بخلاف النفس التي تتّحد مع هذه المفاهيم ، فإن تجرّدها