والصور العلمية المجردة عن المادة تكون حاضرة عند النفس التي تتصف بأنها عالمة . وحيث إنّه لا يمكن أن يكون الأمر المجرد حاضراً في أمر مادي ؛ لأن المادة في نفسها لا حضور لها عند نفسها ، بل إن أجزاء المادة تكون غائبة بعضها عن بعض ، فإذا لم تكن أجزاء المادة مجتمعة في الوجود ، فلا تكون المادة حاضرة عند نفسها ؛ إذ لا يمكن أن يحضر موجود متفرّق في وجوده عند موجود مجتمع في وجوده وفعليّ من كل جهة . فالصورة العلمية مجردة عن المادة ، وهي حاضرة عند النفس ، وعليه لابد أن تكون النفس مجردة عن المادة ، وإلا لا يمكن أن يحضر المجرد عند أمر مادي . فلا يمكن للنفس العالمة إلا أن تكون مجردة عن المادة ذاتاً . وهذا أحد براهين إثبات تجرد النفس والتي سيأتي الحديث عنها مفصّلًا في ما بعد .
احتياج النفس إلى المادة
وأما أن النفس محتاجة إلى المادة فعلًا ، فهو ما لا يحتاج إلى إثبات لكونه أمراً وجدانياً واضحاً ، فإن النفس في مقام فعلها محتاجة إلى المادة . فتبصر الأشياء بواسطة العين ( الأداة الباصرة ) ، وتسمع الأصوات بواسطة الأذن ( الأداة السامعة ) .
هذه هي خصوصيات النفس ، وتفصيل هذه المطالب موكول إلى علم النفس الفلسفي .
ثانياً : العقل
عُرّف العقل بأنه موجود جوهريّ مجرّد عن المادة ذاتاً وفعلًا . وقد وقع النزاع بين الفلاسفة والمتكلمين في هذا القسم ، أي العقل .