والاحتمال الأول واضح البطلان ؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه ، والمفروض أن النفس في هذه المرتبة هي بالقوة ، فكيف يمكن أن تهب نفسها ما تفتقد إليه بالفعل .
والاحتمال الثاني واضح البطلان أيضاً ؛ وكما سيأتي في مباحث العلة والمعلول فإن المادة لا تمنح الوجود للشيء . نعم يمكن أن تمنح الحركة للشيء ، ومن الواضح أن وجود الشيء غير حركة الشيء . ولهذا قسّم الفلاسفة الفاعل إلى قسمين : فاعل طبيعي يمنح الحركة ، وفاعل إلهي يمنح الوجود .
ومن ناحية ثانية فإن المادة أضعف وجوداً من المجرد ، والصورة العلمية مجردة فلا يعقل أن تكون علّتها الأضعف منها مانحة لها ؛ فإن العلة لابد أن تكون أقوى وجوداً من معلولها .
ومن هنا يتضح أن صور الأشياء التي تتسرب إلى النفس بواسطة الحواس ليست هي العلة الحقيقية في حصول العلم ، وإنما العلة الحقيقية تكمن وراء الموجودات المادية . أي أن منشأ العلم بالصورة ليس هو الوجود المادي ، بل إن الوجود المادي يكون معدّاً أو شرطاً لإفاضة الوجود من الوجود الأول الذي هو العقل المجرد ، وبحسب التعبير الشرعي الملائكة ، فتنحصر العلة الحقيقية بموجود فوق المادة والنفس ، وليس هو إلا العقل الذي هو مجرد ذاتاً وفعلًا .
البرهان الثاني
تقدم في الفصل السابق أن المادة محتاجة إلى الصورة ، ولكن ليس بنحو تكون الصورة علة تامة لها ، أو علة فاعلية ، وإنما تكون الصورة بنحو شرط الوجود ، فتحتاج إلى علة فاعلية . ولا يمكن أن تكون النفس هي العلة الفاعلية ، فينحصر أن تكون العلة الفاعلية هي العقل .