تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
على المتكلمين إنما يصح بناءً على أصالة الماهية ، وأما على أصالة الوجود - وهي الحق - فلا يصح . فلابد من البحث عن سبب آخر للاحتياج غير الإمكان الذاتي بحيث يبتني على أصالة الوجود لا الماهية .

الدليل الثاني على الاحتياج في الحدوث والبقاء

تعرض المصنف لذكر برهان آخر ينسجم مع أصالة الوجود ، ومفاده أن ملاك الاحتياج إلى العلة هو فقر الممكن ، وضعفه ، وحاجته في وجوده ؛ لأن وجوده وجود رابط ، والوجود الرابط يحتاج إلى وجود مستقل ، تماماً كما يحتاج الوجود الفقير إلى وجود غني ، وحيث إنّ الوجود فقير بل هو عين الفقر ، فلا يفرّق في الفقر الوجودي بين الحدوث والبقاء ، فكما أنه يحتاج إلى العلة حدوثاً كذلك يحتاج إليها بقاءً . إزاحة وهم من الشبهات التي أدّت ببعض المتكلمين إلى الاعتقاد بأن الاحتياج يقتصر على مرحلة الحدوث دون البقاء ، أنه لو كان المعلول محتاجاً إلى العلة حدوثاً وبقاءً فيلزم من انعدام العلة أن ينعدم المعلول ، وحيث إنّه من الثابت بالوجدان أن المعلول يبقى حتى بعد انعدام علته كما أن البناء يبقى ويستمرّ حتى بعد وفاة الباني له ، فيكشف ذلك عن أن المعلول يحتاج إلى العلة في حدوثه فقط ، ولا يحتاج إليها في البقاء . ومن هنا التزموا بأنه لو جاز على الواجب العدم لما ضرّ ذلك وجود العالم بشيء . ويتضح الجواب عن الشبهة من خلال التمييز بين العلة الفاعلية التي توجد الشيء ، وتفيض عليه الوجود بعد العدم ، والعلة المعدّة التي تعدّ الأرضية لإفاضة الصورة والوجود من العلة الحقيقية . كما في الزرع الذي يحتاج إلى إعداد الأرضية من وضع البذرة في الأرض الصالحة للزراعة ، وتوفير المقدار اللازم لها من الماء والهواء والشمس . فإذا قام الفلاح بتهيئة