تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
عن المادة ولواحقها وأحكامها ، فلا تكون في زمان ولا مكان ولا طول لها ، أو عرض أو عمق ، ولا تشغل حيّزاً ، ولا تنقسم ، فإن ذلك كلّه من أحكام المادة ، والمجرد ليس كذلك . وقد قسّم المجرد إلى قسمين : المجرد التام العقلي والمجرد المثالي . والمجرد المثالي له طول وعرض وعمق ، فهو من هذه الجهة كالمادة ، ولكنه لا يشغل حيّزاً ، فهو يشبه الصورة المرآتية التي تظهر طول الشخص وعرضه وشكله . . ولكن من دون أن تشغل حيّزاً . ومثال آخر : الأشياء التي يراها الإنسان في أثناء النوم ، فإنه يراها بطوله وعرضها . . ولكن مع خلوّها من المكان وإشغال الحيّز ونحو ذلك ، ولهذا يقال إنه يوجد في المجرد المثالي آثار المادة ( الشكل والطول العرض والعمق ) دون نفس المادة . والمجرد العقلي هو الذي يكون مجرداً من المادة وآثارها . والمصنف يرى أن الصورة الجزئية الحسية والخيالية متجردة تجرداً مثالياً ، فلا تحتاج إلى مكان . وإذا لم تكن هذه الصورة الجزئية مادية فلا يلزم من حضور الماهية إلى الذهن إشكال انطباع الكبير في الصغير . فالمجرد ليس فيه صغير وكبير ، لأن الكبر والصغر من أحكام المادة . وبذلك يندفع الإشكال من رأس . قد يقال : إنه إذا كانت الصورة الجزئية مجردة عن المادة ، فما وجه الحاجة إلى آلات البصر والسمع كالعين والأذن ؟ فإذا كانت النفس مجردة ، وكانت الصور الجزئية مجردة ، فسواء وجدت هذه الآلات أو لم توجد ، فإن النفس تدرك الصور الجزئية ، مع أنه من الثابت وجداناً أن الإنسان إذا فَقَد حساً فَقَد علماً . فيظهر من ذلك أن الصور الجزئية ليست مجردة عن المادة . والجواب : إن الموجودات المجردة على أقسام : قسم منها مجردة في وجودها وأفعالها ، وذلك من قبيل العقل فإنه مجرد عن المادة ذاتاً وفعلًا . وقسم منها مجردة في وجودها فقط ، وأما في مقام إنجاز أفعالها فتحتاج إلى