تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
ويوجد في المقام جواب آخر ، وهو أن المفروض في الجزء الذهني أنه غير متناه ، ولكن هذه الصورة أيضا غير متناهية . فإذا كان كل منهما غير متناه ، فيمكن القول أن اللامتناهي يستوعب لا متناهياً آخر ! فإن اللامتناهي مشكّك وليس على قسم واحد ، فقد يوجد لا متناه أكثر سعة من لا متناه آخر « 1 » . وأجاب المصنف على الإشكال بما مفاده أن صورة الإنسان الحاصلة في النفس على أقسام : الصورة الحسية ، والخيالية ، والكلية . وصورة الإنسان الحسية هي التي تراها العين مثلًا عند مباشرتها لإنسان ما . وصورة الإنسان الخيالية هي نفس صورته الحسية ولكن بعد انقطاع الرؤية . وصورة الإنسان الكلية هي مفهوم الإنسان في الذهن . ولا إشكال في أن الصورة الكلية للإنسان تكون مجردة عن المادة وآثارها ، وليست محكومة بأحكام المادة من الزمان والمكان والطول . . وإنما الكلام في أن الصورة الخيالية والحسية هل هما ماديتان أم أنهما مجردتان عن المادة ؟ ذهب الحكماء قبل صدر المتألهين إلى أنها مادية ، وأثبتوا لها أحكام المادة ، ولكن صدر المتألهين أثبت أن الصورة الجزئية بقسميها الحسي والخيالي مجردة عن المادة ، ولكن تجرّدها ناقص وليس بتامّ . فالصورة الجزئية ، الخيالية ، والحسية - برأي صدر المتألهين - تكون مجردة
هامش
( 1 ) ولا غرابة في ذلك ، إذ إن الحق سبحانه وتعالى لا متناه في علمه وفي قدرته . ومع ذلك فإن مقدوراته أقل من معلوماته ، ومعلوماته أكثر من مقدوراته ، فإن الله يعلم بالمتناقضين ولا يقدر على إيجادهما . وكذا فإن الله يعلم بشريك الباري ولكن لا يقدر على إيجاده ، وفي الراوية عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قيل لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن تصغر الدنيا أو تكبر البيضة ؟ قال : إن الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز ، والذي سألتني لا يكون ( انظر : بحار الأنوار : ج 4 ، ص 143 ) . وفي عيون الأخبار بإسناده إلى الحسين بن بشّار عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) قال : سألته أيعلم الله الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف يكون ؟ فقال : إن الله تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء ، قال عز وجل :إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَوقال لأهل النار :وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَفقد علم عز وجل أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا عنه ( انظر : تفسير نور الثقلين للشيخ الحويزي : ج 1 ، ص 709 ) .