تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح بداية الحكمة — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
ولا يرد على ما ذُكر أنّ الشخص الواحد يكون له جوهر وطول ولون . . فيندرج تحت أكثر من مقولة : فإنّ الطول واللون لا يدخلان في ماهيته ، وما هو داخل في ماهيته هو الجوهر فقط . ولهذا ففي تعريف الإنسان وبيان ماهيته لا يقال إنّه طويل ، أبيض ، . . . الخ . وقد ذكر الفلاسفة عند البحث في العلم أن العلم من مقولة الكيف النفساني . والكيف عرض لا يقبل القسمة ولا النسبة لذاته ، كالخوف الذي هو حالة وجدانية لا تقبل القسمة . وعموماً فإن الكيف على أربعة أقسام : الكيف النفساني ، والكيف المحسوس ، والكيف الاستعدادي ، والكيف المختص بالكمّ . والعلم من مقولة الكيف النفساني . إذا اتضحت هذه المقدمة يتبيّن أن العلم الذي هو من مقولة الكيف النفساني لا يمكن أن يكون داخلًا تحت مقولة أخرى ، وبما أنه تبيّن في الإشكال الأول أن الجوهر - كالإنسان مثلًا - إذا انعكس في الذهن فيكون داخلًا تحت مقولة الجوهر بمقتضى انحفاظ الذاتيات ، فيلزم على هذا أن تكون صورة الإنسان في الذهن جوهراً وكيفاً . وحيث إنّه قد اتّضح استحالة اندراج موجود واحد تحت أكثر من مقولة واحد ، فينحصر الأمر بين خيارين : إما أن ترفع اليد عن دعوى انحفاظ الذاتيات عند انعكاسها في الذهن ، وإما أن ترفع اليد عن دعوى كون العلم كيفاً نفسانياً . ولا يمكن رفع اليد عن أيّ منهما ، وبهذا يتّضح وجه أصعبية هذا الإشكال من الإشكال السابق . وكذلك الأمر فيما لو انعكس الكمّ في الذهن بأن تصوَّر الذهنُ الخطَّ مثلًا ، فيكون كمّاً في الذهن ، وبما أن التصور الذهني من مقولة الكيف بحسب الفرض ، فيلزم أن يكون الكمُّ داخلًا تحت مقولة الكيف أيضاً ، وهذا خلاف كون الماهيات متباينة بتام الذات ، بل يلزم أن تكون سائر الماهيات المتصوّرة في الذهن داخلة تحت مقولة الكيف النفساني ، وهذا أشدّ استحالة من الفرض السابق .