الفصل الحادي عشر : في أنّ المعدوم المطلق لا يخبر عنه
ويتبيّن ذلك بما تقدّم [ الفصل التاسع ] أنه بطلان محض لا شيئية له بوجه ، وإنما يُخبر عن شيء بشيء .
وأما الشبهة بأنّ قولهم : « المعدوم المطلق لا يُخبر عنه » يناقض نفسه ، فإنه بعينه إخبار عنه بعدم الإخبار ، فهي مندفعة بما سيجيءُ في مباحث الوحدة والكثرة [ الفصل الثالث من المرحلة الثامنة ] من أن من الحمل ما هو أوليّ ذاتيّ ، يتّحد فيه الموضوع والمحمول مفهوماً ويختلفان اعتباراً ، كقولنا : « الإنسان إنسان » ، ومنه ما هو شائع صناعي ، يتّحدان فيه وجوداً ويختلفان مفهوماً ، كقولنا : « الإنسان ضاحك » . والمعدوم المطلق معدوم مطلق بالحمل الأوّلي ، ولا يُخبر عنه ، وليس بمعدوم مطلق بل موجود من الموجودات الذهنية بالحمل الشائع ، ولذا يُخبر عنه بعدم الإخبار عنه ، فلا تناقض .
وبهذا التقريب تندفع الشبهة عن عدّة قضايا توهم التناقض ، كقولنا : « الجزئيّ جزئيّ » وهو بعينه « كلّي » يصدق على كثيرين ، وقولنا : « شريك الباري ممتنع » مع أنه معقول في الذهن فيكون موجوداً فيه « ممكناً » ، وقولنا : « الشيء إما ثابت في الذهن أو لا ثابت فيه » ، واللاثابت في الذهن ثابت فيه ، لأنه معقول .
وجه الاندفاع : إن الجزئي جزئي بالحملالأولي ، كلّيبالشائع ، وشريك الباري شريك الباري بالحمل الأوّلي ، وممكن مخلوق للباري بالشائع ، واللاثابت في الذهن كذلك بالحمل الأولي ، وثابت فيه بالشائع .