فالآية الثانية فرع للأولى ، فهو إكرام ذاتيّ لهم . هذا وليس في أعمالهم إلّا حيثيّة الأمر ؛ إذ هو المصحّح للثناء عليهم وإكرامهم منه سبحانه ، وإلّا ففي كلّ فعل من كلّ فاعل أمر منه سبحانه ، كما يستفاد من قوله سبحانه :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
« 1 » .
وقوله :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
الآيات « 2 » .
فتخصيصه سبحانه عملهم بالذكر بأنّه بأمره سبحانه ، ليس إلّا لأنّ عملهم لا جهة فيه إلّا جهة الأمر ، وكذلك ذواتهم ، ويشير إليه بآيات أخر ، كقوله تعالى :
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 3 » .
وقوله :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
« 4 » .
وقوله :
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
« 5 » ، إلى غير ذلك من الآيات .
وأيضا فإنّ الملائكة لم تقل : أتجعل فيها من يفسد . . . الخ ، ولم يستفد صدور هذه المعاصي إلّا بالاستفادة من قوله :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 6 » أنّ الخلافة ، وهي قيام الشيء مقام آخر ونيابته عنه ، تقتضي اتّصاف الخليفة بأوصاف الحقّ سبحانه ، وهي محمودة مقدّسة ، لا يصحّ في قباله دعواهم
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ،
فلم يبق للاستناد إلّا الجعل في الأرض ، فمن هنا فهموا
هامش
( 1 ) سورة غافر : الآية 62 .
( 2 ) سورة يس : الآيات 82 .
( 3 ) سورة الإسراء : الآية 84 .
( 4 ) سورة الأنبياء : الآية 104 .
( 5 ) سورة الأعراف : الآية 58 .
( 6 ) سورة البقرة : الآية 30 .