ممّا يجب قبوله ؛ لا من حيث هي واجب قبولها ، بل من حيث عموم الاعتراف بها .
ومنها : « الآراء المسمّاة بالمحمودة » ؛ وربّما خصّصناها باسم « المشهورة » ، إذ لا عمدة لها إلّا الشهرة . وهي آراء لو خلّي الإنسان وعقله المجرّد ووهمه وحسّه - ولم يؤدّب بقبول قضاياها والاعتراف بها ، ولم يمل الاستقراء بظنّه القويّ إلى حكم لكثرة الجزئيّات ، ولم يستدع إليها ما في طبيعة الإنسان من الرحمة والخجل والأنفة والحميّة وغير ذلك - لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسّه « 1 » . مثل حكمنا بأنّ « 2 » سلب مال الإنسان قبيح ، وأنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه .
ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس - وإن صرف كثيرا منهم عنه الشرع - من قبح ذبح الحيوان « 3 » اتّباعا لما في الغريزة من الرقّة ، لمن يكون غريزته كذلك وهم أكثر الناس . وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج .
ولو توهّم الإنسان نفسه وأنّه خلق دفعة تامّ العقل ، ولم يسمع أدبا ، ولم يطع انفعالا نفسانيّا أو خلقيّا ؛ لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء . بل أمكنه أن يجهله ويتوقّف فيه « 4 » ، وليس كذلك حال قضائه أنّ « 5 » الكلّ أعظم من الجزء .
وهذه المشهورات قد تكون صادقة ، وقد تكون كاذبة . وإذا كانت صادقة ليست تنسب إلى الأوّليّات ونحوها ، إذا « 6 » لم تكن بيّنة الصدق عند العقل الأوّل إلّا بنظر ، وإن كانت محمودة عنده . والصادق غير المحمود ، وكذلك الكاذب غير الشنيع ؛ وربّ شنيع حقّ ، وربّ محمود كاذب .
فالمشهورات إمّا من « الواجبات » ، وإمّا من « التأديبيّات الصلاحيّة » « 7 » وما يتطابق
هامش
( 1 ) أ : أو وهمه وحسّه ، ب : ووهمه وحسّه .
( 2 ) أ : أنّ .
( 3 ) ص : الحيوانات .
( 4 ) ب : يتوقف غيره فيه .
( 5 ) ص ، م : بأنّ .
( 6 ) أ : إذ .
( 7 ) ص : التأديبات الصلاحية .