من البيان ، ومن أراد الاستقصاء فليراجع ما حقّقناه في تضاعيف مباحث الوجود ، وفي نيتنا أن نأتي برسالة مفردة لتمام التحقيق فيه بحيث يرتفع منه جميع الأوهام والشكوك ، إن شاء اللّه .
إذا عرفت ذلك ، فاعلم : أنّ وجود العلّة أشدّ لا محالة من وجود المعلول .
والمراد من الشدّة هو كون الشيء بحيث ينتزع منه أمثال شيء آخر ، فيكون الشيء الأوّل هو الشديد ، والثّاني هو الضعيف ، فالأشدّ ما كأنّه يشتمل على عدّة أمثال الأضعف ، فالوجود العلّة - لكونه أشدّ من الوجود المعلول - يكون مشتملا على الوجود المعلول مع زيادة ، فالعلّة - الّتي هي مبدأ للعلل كلّها وينتهي إليها جميع المعلولات - كأنّها تشتمل على المعلولات كلّها ، فهي المعلولات كلّها بعنوان الوحدة ، وإذا صدرت عنها المعلولات وتباينت وتمايزت بعضها عن بعض ، كانت جميعها هي العلّة بعنوان الكثرة من دون أن ينقص من العلّة شيء ؛ إذ المعلول ليس جزءا من العلّة وبعضا منها حقيقة ، بل إنّما هو أثر منها ، وظل لها ، وما من المعلول في العلّة إنّما هو أصله وسنخه ؛ إذ فرق بين أن يفيض من شيء شيء ، وبين أن يقسّم شيء إلى شيء ، ومفاد العلّيّة والتأثير إنّما هو الأوّل لا الثّاني .
فالوجود الواجبيّ مشتمل على جميع وجودات الممكنات الّتي هي عبارة عن ذواتها ، لا أقول عن ماهيّاتها ؛ إذ فرق بين الذات والماهية على ما عرفت ، فعلمه تعالى بذاته عين العلم بجميع ذوات الأشياء . وهذا هو المراد
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 257
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص٢٥٧