أبدان كثير من الحيوانات الّتي تلك الأشياء سموم لها ، فإنّ السموم إنّما هي أمور مضافة ؛ فإنّه قد يكون سمّا في حقّ حيوان شيء هو غذاء في حقّ حيوان آخر ، فهكذا الأمر في الآراء مع الإنسان » « 1 » . « 2 »
ثمّ قال : « ولكن إذا تعدّى الشرير الجاهل فسقى السمّ من هو في حقّه سمّ على أنّه غذاء ، فقد ينبغي على الطبيب أن يجتهد بضاعة في شفائه ، ولذلك استخيرنا نحن التكلّم في مثل هذا الكتاب ، وإلّا فما كنّا نرى أنّ ذلك يجوز لنا ، بل هو أكبر المعاصي ، أو من أكبر الفساد في الأرض ، وعقاب المفسدين معلوم بالشريعة . وإذا لم يكن بدّ من الكلام في هذه المسألة ، فلنقل في ذلك بحسب ما تبلغه قوّة الكلام في هذا الموضع .
فنقول :
إنّ القوم لمّا نظروا إلى جميع المدركات ، وجدوا أنّها صنفان :
صنف مدرك بالحواسّ ، وهي أجسام قائمة بذواتها ، مشار إليها ، وأعراض مشار إليها في تلك الأجسام .
وصنف مدرك بالعقل ، وهي ماهيّات تلك الأمور المحسوسة وطبائعها ، أعني : الجواهر والأعراض .
فلمّا تميّزت لهم الأمور المعقولة من الأمور المحسوسة ، وتبيّن لهم أنّ في المحسوسات طبيعتين : إحداهما قوّة ، والأخرى فعل ، نظروا أيّ
هامش
( 1 ) . أي قد يكون رأي هو سمّ في حق نوع من النّاس وغذاء في حقّ نوع آخر .
( 2 ) . تهافت التّهافت : 203 .