فإنّه لا تنتهي أفهام الجمهور إلى مثل هذه الدقائق ، وإذا خيض معهم في هذا بطل معنى الإلهيّة عندهم ؛ فلذلك كان الخوض في هذا العلم محرّما عليهم ؛ إذ كان الكافي « 1 » في سعادتهم أن يفهموا من ذلك ما أطاقته « 2 » أفهامهم ، ولذلك لم يقتصر الشرع - الّذي قصده الأوّل تعليم الجمهور في تفهيم هذه الأشياء في الباري تعالى - بوجودها في الإنسان كما قال [ سبحانه و ] تعالى :
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
« 3 » ، بل واضطرّ إلى تفهيم معاني في الباري بتمثيلها بالجوارح الإنسانيّة مثل قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ
« 4 » وقوله :
خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
« 5 » فهذه المسألة هي خاصّة بالعلماء الرّاسخين الّذين أطلعهم اللّه على الحقائق .
ولذلك لا يجب أن تثبت في كتاب إلّا في الموضوعة على الطريق البرهانيّ ، وهي الّتي من شأنها أن تقرأ على ترتيب ، وبعد تحصيل آخر « 6 » يضيق على أكثر النّاس النظر فيها على النحو البرهانيّ إذا كان ذا فطرة فائقة مع قلّة وجود تلك الفطرة في النّاس .
فالكلام في هذه الأشياء مع الجمهور هو بمنزلة من يسقي السموم
هامش
( 1 ) . في المصدر : « المكافيء » .
( 2 ) . في المصدر : « ما أطلقته » .
( 3 ) . مريم : 42 .
( 4 ) . يس : 71 .
( 5 ) . ص : 75 .
( 6 ) . في المصدر : « علوم آخر » .