لكنّ الحقّ في ذلك أنّه ليس تعدّد المعلومات في العلم الأزليّ كتعدّدها في العلم الإنسانيّ ، « 1 » وذلك أنّه تعدّد ليس شأن العقل منّا إدراكه « 2 » ، ولذلك أصدق ما قال القوم : إنّ للعقول حدّا تقف عنده ولا تتعدّاه وهو العجز عن التكييف الّذي في ذلك العلم .
وإنّما امتنع عندنا إدراك ما لا نهاية له بالفعل ؛ لأنّ المعلومات عندنا منفصلة بعضها عن بعض ، فأمّا إن وجد هاهنا علم تتّحد فيه المعلومات ، فالمتناهية وغير المتناهية في حقّه سواء .
هذا كلّه ممّا يزعم القوم أنّه ممّا قام البرهان عليه عندهم ، وإذا لم نفهم نحن من الكثرة في العلم إلّا هذه الكثرة وهي منتفية عنه ، فعلمه واحد ، لكن تكيّف هذا المعنى وتصوّره بالحقيقة ممتنع على العقل الإنسانيّ ؛ لأنّه لو أدرك الإنسان هذا المعنى ، لكان عقله هو عقل الباري تعالى ، وذلك مستحيل .
ولمّا كان العلم بالشخص عندنا هو العلم بالفعل ، علمنا أنّ علمه هو أشبه بالعلم الشخصيّ منه بالعلم الكلّي وإن كان لا كليّا ولا شخصيّا .
هامش
( 1 ) . وذلك أنّه يلحقها في العلم الإنساني تعدد من وجهين : أحدهما من جهة الخيالات ، وهذا يشبه التعدّد المكاني ، والتعدّد الثّاني ، تعدّدها في أنفسها في العقل منّا ؛ أعني : التعدّد الّذي يلحق الجنس الأوّل ، كأنّك قلت : الموجود بانقسامه إلى جميع الأنواع الداخلة تحته ، فإنّ العقل منّا هو واحد من جهة الأمر الكلّي المحيط بجميع الأنواع الموجودة في العالم ، وهو يتعدّد بتعدّد الأنواع . وهو تبين أنّه إذا نزهنا العلم الأزلي عن معنى الكلّي أنّه يرتفع هذا التعدّد ويبقى هنالك تعدّد الخ .
( 2 ) . إلّا لو كان العلم منّا هو هو بعينه ذلك العلم الأزلي وذلك مستحيل .