وإذا فهمت هذا مذهب القوم فهمت أنّ معرفة الأشياء بعلم كلّيّ هو علم ناقص ؛ لأنّه علم لها بالقوّة ، وأنّ العقل المفارق لا يعقل إلّا ذاته ، وأنّه يعقل ذاته يعقل جميع الموجودات ؛ إذ كان عقله ليس شيئا أكثر من النظام والترتيب الّذي في جميع الموجودات ، فإذا نزلت أنّ العقل الّذي هناك شبيه بعقل الإنسان ، لحقت تلك الشكوك المذكورة ؛ فإنّ العقل الّذي فينا هو الّذي يلحقه التعدّد والكثرة ، وأمّا ذلك العقل فلا يلحقه شيء من ذلك ، وذلك أنّه بريء عن الكثرة اللّاحقة لهذه المعقولات ، وليس يتصوّر فيه مغايرة بين المدرك والمدرك ، وأمّا العقل الّذي فينا فإدراكه ذات الشيء غير إدراكه أنّه مبدأ للشيء ، وكذلك إدراكه غيره غير إدراكه ذاته بوجه مّا . ولكن فيه شبه من ذلك العقل ، وذلك العقل هو الّذي أفاده ذلك الشبه .
بيان ذلك : أنّ العقل إنّما صار هو المعقول من جهة ما هو معقول ؛ لأنّ هاهنا عقلا هو المعقول من جميع الجهات ، وذلك أنّ كلّ ما وجدت فيه صفة ناقصة فهي موجودة له من قبل موجود فيه تلك الصفة كاملة .
مثال ذلك : أنّ ما وجدت فيه حرارة ناقصة فهي موجودة له من قبل شيء هو حارّ بحرارة كاملة ، وكذلك ما وجد حيّا بحياة ناقصة فهي موجودة له من قبل حيّ بحياة كاملة ، فكذلك ما وجد عاقلا بعقل ناقص فهو موجود له من قبل شيء هو عاقل بعقل كامل ، وكذلك كلّ ما وجد له فعل عقلي كامل فهو موجود له من قبل عقل كامل ، فإن كانت جميع أفعال الموجودات
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 206
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص٢٠٦