ونقول هاهنا : إنّ حقيقة التعقّل إنّما هو حصول المجرّد للمجرّد ، سواء كان بقيامه به - كما في تعقّل النفس الناطقة لمعقولاتها - أو بنحو آخر كما في إدراكها لذاتها ، وكلّ مجرّد قائم بذاته ؛ فإنّ ذاته حاصلة لذاته ، غير فاقدة إيّاها بالضرورة ، فذاته - من حيث إنّها يصدق عليها أنّها مجرّدة حاصلة لمجرّد - هي معقولة ، ومن حيث إنّها مجرّد قد حصل له مجرّد هي عاقلة ، فكلّ مجرّد عاقل لذاته ، ومعقول لذاته .
قال الشيخ في التعليقات : « إذا قلت : إنّي أعقل الشيء ، فالمعنى أنّ أثرا منه موجود في ذاتي ، فيكون لذلك الأثر وجود ، ولذاتي وجود . فلو كان وجود ذلك الأثر لا في غيره ، بل فيه ، لكان أيضا يدرك ذاته ، كما أنّه لو كان وجوده لغيره وأدركه الغير . انتهى » « 1 » .
وإذا ثبت هذا ثبت أنّه تعالى عاقل لذاته وعالم بها . ثمّ إنّه تعالى علّة لجميع ما سواه ؛ لكون جميع ما سوى اللّه تعالى ممكنات ؛ لبرهان التوحيد - على ما سيأتي - ولوجوب انتهاء الحاجة في الممكنات إلى واجب الوجود كما مرّ . والعلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول . والمراد بها أنّ العلم التامّ بالعلّة - أي العلم بجميع جهاتها واعتباراتها اللّازمة لها - يستلزم العلم بما يلزمها ويجب بها على ما حقّقناه فيما مرّ في مسألة العلم .
وقد يقال : الحكم بكون الفاعل العالم بذاته عالما بما صدر عنه بديهيّ ، كما قال تعالى :
أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 2 » هذا ، فثبت كونه
هامش
( 1 ) . التعليقات : 90 / كيفية التعقل والإدراك .
( 2 ) . الملك : 14 .