وإذ قد بيّنا هذه الأصول ، فلنبيّن أنّ الحركة المستديرة لا تضادّ المستقيمة ، فنقول : إن كان بينهما تضادّ : فإمّا أن يكون ذلك التّضادّ لأجل الاستدارة والاستقامة ، فيلزم أن تكون الاستقامة والاستدارة متضادّتين ، لأنّ الشّيء الّذي به الاختلاف في الأضداد المتّفقة في الجنس متضادّ ، لكن الاستقامة والاستدارة ليس موضوعهما القريب واحدا ، ولا شيء من الموضوعات يجوز أن يستحيل من الاستدارة إلى الاستقامة إلّا بفساده - على ما بيّناه في ما مرّ - فهما ليسا بضدّين ، فليسا بسببي تضادّ الحركات ، بل ليس ما فيه الحركة هو السّبب لتضادّ الحركات ، فبقى أن يكون تضادهما للأطراف . لكن لو كان بينهما تضادّ بسبب الأطراف لكانت الحركة الواحدة بعينها يضادّها حركات لا نهاية لها مختلفة ، لأنّه يمكن أن يكون الخطّ المستقيم المعيّن المشار إليه الّذي عليه هذه الحركة المستقيمة وترا لقسيّ غير متشابهة لا نهاية لها بالقوّة ، لكن ضدّ الواحد واحد ، وهو الّذي في غاية البعد عنه .
ويمكن أن يتبيّن بهذا أيضا أنّ صورة الاستقامة والاستدارة لا تتضادّ تضادّا جنسيّا ، لأنّه إن كان مطلق الاستقامة مضادّا لمطلق الاستدارة ، كان أيضا هذا المستقيم تضادّ هذا المستدير بعينه ، إذ لا يجوز أن يكون هذا الواحد يقابله إلّا واحد بعينه ، لأنّ ما هو أبعد عن هذا الواحد في طبيعة الخلاف فهو واحد ، فإن كان لا أبعد فلا ضدّ .
وهذا الشّخص لما لم يكن متكثّرا بالعدد لم يجز أن يكون ضدّه معنى عامّا متكثّرا ، فيسقط بهذا قول من قال : بأنّ هذه الحركات القوسيّة الكثيرة
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 474
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص٤٧٤