والثّالث : الخطابة : وهو المؤلّف من المظنونات والمقبولات الّتي ليست بمشهورة ، والمشهورات في بادئ الرأي ، وهي ظنيّة مادّة وصورة ، وغايتها إقناع المسترشدين العاجزين عن درك البرهان وإرشادهم إلى ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم .
والرّابع : الشعر : وهو المؤلف من المقدّمات المخيّلة من حيث هي مخيّلة ، صادقة كانت أو كاذبة ، مصدّق بها أو لا ، وغايته قبض النّفس أو بسطها أو حثها أو زجرها إلى غير ذلك من التأثيرات ، والمعتبر في مقدّماته كونها مخيّلة سواء كان قطعية الاستلزام أو لا .
والخامس : المغالطة : وهو المؤلّف من القضايا المشبهة بالضّروريات ، ويسمّى سفسطة ، وصاحبها - أعني : السوفسطائي - في مقابلة الحكيم ، أو بالمشهورات ويسمّى شغبا وصاحبه ، أعني : المشاغب في مقابل المجادل .
وهذه هي الصّناعات الخمس .
والثّلاثة الأول : أعني : البرهان والخطابة والجدل - هي المعتبرة من أقسامها ، وهي المشار إليها بقوله تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
« 1 » .
ووجه ضبط انحصار الصّناعات في الخمس ؛ هو أنّ القياس : إمّا أن يوصل إلى تصديق أو تخييل ؛ والموصل إلى التّصديق : إمّا أن يوقع ظنّا وهو الخطابة ، أو جزما ، فإن كان يقينيّا فهو البرهان ، وإلّا فإن اعتبر فيه عموم
هامش
( 1 ) . النحل : 125 .