والنّظر بالنّظر إلى المعرفة ، من قبيل القسم الأوّل ، فكان إيجاب المعرفة في الحقيقة إيجابا للنظر ، وهو المطلوب .
وتلخيص هذا الوجه : أنّ معرفة اللّه واجبة عقلا ، وهي لا تحصل إلّا بالنظر ، وما لا يحصل الواجب إلّا به فهو واجب ، فالنظر في معرفة اللّه تعالى واجب عقلا ، وهو المطلوب .
وإلى هذا الوجه أشار المصنّف بقوله : « وما يتوقّف عليه العقلّيان » .
الوجه الثّاني : تقريره : أنّ النّظر في معرفة اللّه واجب اتفاقا بالعقل أو بالشرع ، إذ لا ثالث يصلح مناطا للأحكام لكن الثاني - أعني : ثبوت الوجوب بالشّرع - يستلزم انتفاؤه ، لأنّه لو كان وجوبه بالشّرع لتوقّف على العلم بثبوت الشرع . والعلم بثبوت الشّرع لكونه نظريّا يتوقّف على وجوب النظر ، إذ لولا وجوب النّظر لكان للمكلّف أن يمتنع عن النّظر ، فلا يثبت عنده الشرع . وهذا النظر هو من جملة النّظر في المعرفة لا محالة ، فيلزم توقّف وجوب النّظر على وجوب النّظر ، وهو دور ، وإثبات الشّيء بثبوت نفسه ، وما يتوقّف ثبوته على ثبوت نفسه فهو غير ثابت بالضّرورة ، فلو كان ثبوت وجوب النّظر بالشّرع ؛ لكان غير ثابت ، بل كان منفيّا ، فتعيّن الثّاني - أعني :
ثبوت وجوبه بالعقل - وهو المطلوب .
وإلى هذا الوجه أشار بقوله : « وانتفاء ضد المطلوب على تقدير ثبوته » أي ولانتفاء الوجوب الشّرعي على تقدير ثبوت الوجوب الشّرعي . وعبّر عنه بضد المطلوب ، لكونه ضدّا للوجوب العقلي الّذي هو المطلوب .
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 257
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص٢٥٧