فإن قيل « 1 » : لا نسلّم أنّ وجوب المعرفة وجوب مطلق ، فإنّ معناه الوجوب على كلّ تقدير . ووجوب المعرفة مقيّد بحال الشكّ ، أو بحال عدم المعرفة للقطع بأنّه لا وجوب حال حصول المعرفة ، لامتناع تحصيل الحاصل .
وأيضا : لا نسلّم أن النّظري ، لا يحصل إلّا بالنظر ، بل قد يحصل بالإلهام على ما يراه البراهمة ، أو بالتّعليم على ما يراه الملاحدة ، أو بتصفية الباطن على ما يراه المتصوّفة .
قلنا : الجواب عن الأوّل : أنّه ليس معنى الوجوب على كلّ تقدير عموم التقادير والأحوال ، وإلّا لما كان شيء من الواجبات واجبا مطلقا ، إذ لا يجب على تقدير الإتيان به ، بل معناه الوجوب على تقدير وجود المقدّمة وعدمها ، ووجوب المعرفة ليس مقيّدا بالنّظر - بمعنى أنّه لو نظر وجبت المعرفة - وإلّا فلا ، فيكون مطلقا بالمعنى المراد .
وعن الثّاني : أنّ كلّ ذلك يحتاج إلى معونة النّظر ، فإنّ الإلهام على تقدير ثبوته لا يأمن صاحبه أنّه من اللّه ، فيكون حقا ، أو من غيره فيكون باطلا إلّا بعد النّظر ، وإن لم يقدر على تقريره وتحريره .
وكذا الحال في التّصفية ، ألا ترى أنّ رياضة المبطلين من اليهود والنّصارى تؤديهم إلى عقائد باطلة ؟ فلا بدّ من الاستعانة بالنّظر ، بل التّحقيق أن التّصفية إن انفكّت عن النّظر لم يحصل منها علم أصلا . وأمّا القائل
هامش
( 1 ) . لاحظ : شرح المقاصد : 1 / 266 - 267 ؛ وشرح تجريد العقائد : 265 - 266 .