وجودها ، وإنّما يبحث عن كيفيّة الإحساس بها كما مرّ .
وأمّا الباطنة ؛ فغير مستغنية عن الإثبات ، فعلى وجود الحسّ المشترك استدل في " الشّفاء « 1 » " بوجوه :
منها : ما معناه أنّا نحكم ، بأنّ هذا اللّون غير هذا الطعم ، وأنّ لصاحب هذا اللّون هذا الطعم حكما نجزم بكون طرفيه مجتمعين في المدرك الواحد ، ولا يمكن ذلك الاجتماع في النّفس ، لما مرّ من أنّها لا ترتسم فيها الصّور المحسوسة ، ولا في الحسّ الظاهر ، فإنّه لا يدرك به غير نوع واحد من المحسوسات ، فلا بدّ من قوّة ترتسم فيها صور المحسوسات كلّها .
وإلى هذا أشار بقوله : الحاكمة بين المحسوسات ، من قبيل اسناد الفعل إلى الآلة ، لأنّ الحاكم بالحقيقة هو النّفس ، وهي صفة لقوله : « بنطاسيا » .
وثانيها : باعتبار كونه قوّة .
فإن قلت : العقل يحكم بين كلّي وجزئي كما في قولنا زيد انسان مع امتناع ارتسامهما معا في العقل لمكان الجزئي ، ولا في قوّة لمكان الكلّي ، فإذا جاز الحكم بين شيئين أحدهما في العقل والآخر في قوّة من القوى ؛ فلينجز بين شيئين : أحدهما ؛ في قوّة ، والأخرى في قوة أخرى .
قلنا : المرتسم في ذات العقل لا يبائن المرتسم في قوّة من قواه ، وأمّا المرتسم في قوّة من قواه ، فهو يبائن المرتسم في قوّة أخرى من قواه البتة ، فتفطن .
هامش
( 1 ) . لاحظ : طبيعيّات الشّفاء : 2 / كتاب النّفس / 145 - 146 / الفصل الأوّل من المقالة الرّابعة .