« أمّا المدرك من القوى للصّور الجزئيّة الظاهرة على هيئات غير تامّة التّجريد والتّفريد عن المادّة ، ولا مجرّدة أصلا عن علائق المادّة كما تدركه الحواسّ الظاهرة ، فالأمر في احتياج إدراكه إلى آلات جسمانيّة واضح سهل .
وذلك لأنّ هذه الصّورة إنّما تدرك ما دامت الموادّ حاضرة موجودة ، والجسم الحاضر الموجود إنّما يكون حاضرا موجودا عند جسم ، وليس يكون حاضرا مرّة وغائبا أخرى عندما ليس بجسم ، فإنّه لا نسبة له إلى قوّة مفردة من جهة الحضور عنده والغيبة عنه .
فإنّ الشيء الّذي ليس في مكان لا تكون للشّيء المكاني إليه نسبة بالحضور عنده والعينيّة عنه ، بل الحضور لا يقع إلّا على وضع وبعد للحاضر عند المحضور .
وهذا لا يمكن إذا كان الحاضر جسما إلّا أن يكون المحظور جسما ، أو في جسم .
وأمّا المدرك للصّور الجزئيّة على تجريد تامّ من المادّة ، وعدم تجريد البتة من العلائق المادّية كالخيال ، فيحتاج أيضا إلى آلة جسمانيّة ، فإنّ الخيال لا يمكنه أن يتخيّل إلّا أن ترتسم الصّورة الخياليّة فيه في جسم ارتساما مشتركا بينه وبين الجسم ؛ فإنّ الصّورة المرتسمة في الخيال من صورة شخص زيد على شكله وتخطيطه ، ووضع أعضائه ، بعضها عند بعض الّذي يتميّز في الخيال ، كالمنظور إليها لا يمكن أن تتخيّل على ما هي عليه إلّا أن يكون تلك الأجزاء والجهات من أعضائه يجب أن ترتسم في جسم
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 498
مساهمون: عبد الرزاق اللاهيجي
ص٤٩٨