تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام — صفحة 489

مساهمون:

ص٤٨٩
فلا يكون البدن متصّورا بصورة النّفس وقابلا إيّاها . وأمّا عليّة الصّورة والغاية : فظاهر ، أنّ الجسم ليس بصورة ولا كمال للنفس ، بل الأولى أن يكون الأمر بالعكس من ذلك . فإذن ، ليس تعلّق النّفس بالبدن تعلّق مع بعلّة ذاتيّة . وإن كان المزاج والبدن علّة بالعرض للنّفس ، فإنّه إذا حدثت مادّة بدن تصلح أن يكون آلة للنّفس ، ومملّكة لها ، أحدثت العلل المفارقة النفس الجزئيّة ، فإنّ إحداثها بلا سبب مخصّص إحداث واحد دون واحد محال ، ولأنّه لا بدّ في وقوع الكثرة في النّفس من مادّة بدنية على ما مرّ ، ولأنّه لا بدّ لكلّ كائن بعد ما لم يكن من أنّ يتقدّمه مادّة يكون فيها تهيّؤ قبوله ، أو تهيّؤ نسبته إليه ، كما تبيّن ، في موضعه ، ولأنّه لو جاز أن تحدث نفس جزؤيّة ؛ ولم تحدث لها آلة بها تستكمل وتفعل لكانت معطّلة الوجود ولا شيء معطل في الوجود . فثبت أنّ للبدن عليّة بالعرض لوجود النّفس وحدوثها من الفاعل المفارق ، وليس يجب إذا كان الشيء علّة بالعرض لوجود شيء ما يكون علّة بالعرض لعدم ذلك الشيء أيضا ؛ إلّا إذا كان ذلك الشّيء الثّاني قائما بالشيء الأوّل ، والنّفس بالقياس إلى البدن ليست كذلك ، وهي توجد بوجوده ولا تفسد بفساده . وأمّا تعلّق المتقدّم بالوجود : أعني : التقدّم بالذّات والعليّة - فلأن هذا التعلّق يقتضي أن يكون تطرق العدم إلى المتأخّر إنّما يكون من جهة عدم المتقدم لا من جهة أخرى ، وتطرق العدم والفساد إلى البدن ليس كذلك ، فإنّ