وما قيل « 1 » : لم لا يجوز أن يدرك بعض الجسمانيّات ذاتها وآلتها وإدراكاتها من غير توسّط آلة ؟
ففساده ظاهر : لأنّه لو كان كذلك لم يكن جسمانيّا ، إذ لا معنى للجسماني إلّا ما يدرك ويعقل بالجسم .
فإن قلت : هذا الدّليل منقوض بنفوس الحيوانات العجم ، فإنّها تدرك ذواتها والآتها مع كونها مادية .
قلت : إدراكها لذواتها كما يدرك الإنسان ذاته - أعني : مع الغفلة عن الحواسّ كما مرّ في المسألة السّابقة - ممنوع ، بل الظاهر أنّ إدراكها إنّما هو لبدنها وعوارضه باللمّس والحسّ لا غير ، فليتدبّر ، وبالجملة لا نقض إلّا مع العلم .
[ الوجه ] الرّابع « 2 » : ما أشار إليه بقوله : ولحصول عارضها « 3 » بالنسبة إلى ما يعقل محلّا منقطعا ، يعني أنّ علم النّفس النّاطقة بما يتصوّر كونه محلّا لها مثل القلب ، أو الدماغ ، أو غير ذلك يحصل في وقت دون وقت ، لا دائما ، ولو كانت حالة فيه لكانت : إمّا دائمة التعقّل له ، أو غير عاقلة له أصلا .
وذلك إشارة إلى ما ذكره الشّيخ في " الشّفاء " حيث قال : « بل نحقق ونقول : لا يخلو : إمّا أن يكون تعقّلها آلتها لوجود ذات صورة آلتها تلك ، أو
هامش
( 1 ) . القائل هو الشّارح القوشجي . لاحظ : شرح تجريد العقائد : 199 .
( 2 ) . من أدلة تجرّد النفس .
( 3 ) . أي عارض النّفس وهي الصّورة العلميّة .