فنقول : يجب أن يتوهّم واحد منّا كأنّه خلق دفعة وخلق كاملا ، لكنّه حجب بصره عن ملاحظة الخارجات ، وخلق يهوي في هواء أو خلاء هويّا لا يصدمه فيه قوام الهواء صدم مّا يحوج إلى أن يحسّ ، وفرّق بين أعضاء فلم تتلاق ولم تتماسّ ، ثم يتأمّل هل ثبت وجود ذاته ؟
فلا يشكّ في إثباته لذاته موجودا ولا يثبت مع ذلك طرفا من أعضائه ولا باطنا من أحشائه ، ولا قلبا ولا دماغا ولا شيئا من الأشياء من خارج ، بل كان ثبت ذاته ولا يثبت لها طولا ولا عرضا ولا عمقا ، ولو أنّه أمكنه في تلك الحالة أن يتخيّل يدا أو عضوا آخر لم يتخلّله جزء من ذاته ولا شرطا في ذاته ، وأنت تعلم أنّ المثبت غير الّذي لم يثبت .
فإذن المثبتة سبيل إلى أن ينتبه على وجود النّفس شيئا غير الجسم ، بل غير جسم ، وأنّه عارف به مستشعر له ، وإن كان ذاهلا عنه يحتاج أن يقرع عصاه . انتهى كلام الشّفاء » . « 1 »
فإن قيل « 2 » : إنّ ذات الإنسان عندنا هي أجزاؤه الأصليّة الجسمانية ، ولا نسلّم أنّه يغفل عنها ، بل إنّما يغفل عن الأجزاء الفضليّة وعن الأعراض والقوى الحالة فيها .
قلنا : لو كان المراد من الأجزاء الأصليّة هي الأعضاء المتكونة عن النّطفة كما هو الظاهر ، فامكان الغفلة عنها لا يقبل المنع كيف وهي الأعضاء المأخوذة في تقرير هذا التّنبيه ، وإن كان المراد منها هو الأجزاء الّتي لا
هامش
( 1 ) . طبيعيّات الشّفاء : 2 / كتاب النّفس / 13 .
( 2 ) . ذكره الشارح القوشجي وأجاب عنه . لاحظ : شرح تجريد العقائد : 197 .